عبد الرحمن السهيلي

235

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

ويروى أن حسان بن ثابت لما بلغه شعر الجني ، وما هتف به في مكة قال يجيبه : لقد خاب قومٌ عنهم نبيّهم * وقد سرّ من يسري إليهم ويغتدي ترحل عن قومٍ فضلّت عقولهم * وحلّ على قومٍ بنورٍ مجدّد هداهم به بعد الضلالة ربّهم * وأرشدهم من يتبع الحقّ يرشد وهل يستوي ضلاّل قوم تسفّهوا * عما يتهم هاد بها كل مهتد لقد نزلت منه إلى أهل يثربٍ * ركاب هدىً حلت عليهم بأسعد نبيٌ يرى ما لا يرى الناس حوله * ويتلو كتاب اللّه في كل مشهد وإن قال في يومٍ مقالة غائب * فتصديقه في اليوم أو في ضحى الغد ليهن أبا بكر سعادة جدّه * بصحبته من يسعد اللّه يسعد وزاد يونس في روايته أن قريشاً لما سمعت الهاتف من الجن أرسلوا إلى أم معبد ، وهي بخيمتها ، فقالوا : هل مر بك محمد الذي من حليته كذا ، فقالت : لا أدري ما تقولون ، وإنما ضافني حالب الشاة الحائل ، وكانوا أربعةً رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر ، وقد تقدم التعريف به وطرف من ذكر فضائله في هجرة الحبشة ، والرابع عبد الله بن أريقط الليثي ولم يكن إذ ذاك مسلماً ، ولا وجدنا من طريق صحيح أنه أسلم بعد ذلك ، وجاء في حديث أنهم استأجروه ، وكان هادياً خريتاً ، والخريت : الماهر بالطريق الذي يهتدي بمثل خرت الإبرة ، ويقال له : الخوتع أيضاً قال الراجز : يضل فيها الخوتع المشهرّ * أم معبد وزوجها : وأما أم معبد التي مر بخيمتها ، فاسمها : عاتكة بنت خالد إحدى بني كعب من خزاعة ، وهي أخت حبيش بن خالد ، وله صحبة ورواية ، ويقال له الأشعر ، وأخوها : حبيش بن خالد سيأتي ذكره والخلاف في اسمه وخالد الأشعر أبوهما ، هو : ابن خنيف بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن ضبيس بن حرام بن حبشية بن كعب بن عمرو وهو أبو خزاعة . وزوجها أبو معبد يقال إن له رواية أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يعرف اسمه ، وكان منزل أم معبد بقديد ، وقد روي حديثها بألفاظ مختلفة متقاربة المعاني ، وقد رواه ابن قتيبة في غريب الحديث ، وتقصى شرح ألفاظه ، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأم معبد : وكان القوم مرملين مسنتين ، فطلبوا لبناً أو لحماً يشترونه ، فلم يجدوا عندها شيئاً ، فنظر إلى شاة في كسر الخيمة خلفها الجهد عن الغنم ، فسألها : هل بها من لبن ؟ فقالت : هي أجهد من ذلك ، فقال : أتأذنين لي أن أحلبها ، فقالت : بأبي أنت وأمي ، إن رأيت بها حلباً فاحلبها ، فدعا بالشاة ، فاعتقلها ، ومسح ضرعها ، فتفاجت ودرت واجترت ، ودعا بإناء يربض الرهط أي : يشبع الجماعة حتى يربضوا ، فحلب فيه حتى ملأه ، وسقى القوم حتى رووا ثم شرب آخرهم ، ثم حلب فيه مرة أخرى عللاً بعد نهل ، ثم غادره عندها ، وذهبوا ، فجاء أبو معبد ، وكان غائباً فلما رأى اللبن قال : ما هذا يا أم معبد أنى لك هذا والشاء عازب حيال ، ولا حلوبة بالبيت ، فقالت : لا والله ، إلا أنه مر بنا رجل مبارك ، فقال : صفيه يا أم معبد ، فوصفته بما ذكر القتبي وغيره في الحديث ، ومما ذكره القتبي : فشربوا حتى أراضوا جعله القتبي من استراض الوادي : إذا استنقع ومن الروضة وهي بقية الماء في الحوض وأنشد : * وروضةٍ سقيت فيه نضوي *