عبد الرحمن السهيلي
232
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
معه أنبت الله على بابه الراءة : قال قاسم : وهي شجرة معروفة ، فحجبت عن الغار أعين الكفار . وقال أبو حنيفة : الراءة : من أغلاث الشجر ، وتكون مثل قامة الإنسان ، ولها خيطان ، وزهر أبيض تحشى به المخاد ، فيكون كالريش لخفته ولينه ، لأنه كالقطن أنشد : ترى ودك الشريف على لحاهم * كمثل الراء لبّده الصّقيع وفي مسند البزار : أن الله تعالى أمر العنكبوت فنسجت على وجه الغار ، وأرسل حمامتين وخشيتين ، فوقعتا على وجه الغار ، وأن ذلك مما صد المشركين عنه ، وأن حمام الحرم من نسل تينك الحمامتين ، وروي أن أبا بكر رضي الله عنه حين دخله وتقدم إلى دخوله قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقيه بنفسه ، رأى فيه جحراً فألقمه عقبه ، لئلا يخرج منه ما يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي الصحيح عن أنس : قال : قال أبو بكر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهما في الغار : لو أن أحدهم نظر إلى قدمه لرآنا ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ظنك باثنين ، الله ثالثهما ، وروي أيضاً أنهم لما عمي عليهم الأثر جاؤوا بالقافة ، فجعلوا يقفون الأثر ، حتى انتهوا إلى باب الغار ، وقد أنبت الله عليه ما ذكرنا في الحديث قبل هذا ، فعند ما رأى أبو بكر رضي الله عنه القافة اشتد حزنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إن قتلت فإنما ، أنا رجل واحد ، وإن قتلت أنت هلكت الأمة ، فعندها قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تحزن إن الله معنا ، ألا ترى كيف قال : لا تحزن ، ولم يقل لا تخف ؟ ! لأن حزنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم شغله عن خوفه على نفسه ، ولأنه أيضاً رأى ما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم من النصب ، وكونه في ضيقة الغار مع فرقة الأهل ، ووحشة الغربة ، وكان أرق الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأشفقهم عليه ، فحزن لذلك ، وقد روي أنه قال : نظرت إلى قدمي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ، وقد تفطرتا دماً ، فاستبكيت ، وعلمت أنه عليه السلام لم يكن تعود الحفاء والجفوة ، وأما الخوف فقد كان عنده من اليقين بوعد الله بالنصر لنبيه . ما يسكن خوفه ، وقول الله تعالى : « فأنزل اللّه سكينَته عليه » قال أكثر أهل التفسير : يريد على أبي بكر ، وأما الرسول فقد كانت السكينة عليه ، وقوله : « وأيَّدَه بجُنود لم تَرَوْهَا » الهاء في أيده راجعة على النبي ، والجنود : الملائكة أنزله عليه في الغار ، فبشروه بالنصر على أعدائه ، فأيده ذلك ، وقواه على الصبر وقيل أيده بجنود لم تروها ، يعني : يوم بدر وحنين وغيرهما من مشاهده ، وقد قيل : الهاء راجعة على النبي عليه السلام في الموضعين جميعاً وأبو بكر تبع له ، فدخل في حكم السكينة بالمعنى ، وكان في مصحف حفصة : فأنزل الله سكينته عليهما ، وقيل : إن حزن أبي بكر كان عندما رأى بعض الكفار يبول عند الغار ، فأشفق أن يكونوا قد رأوهما ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : لا تحزن ، فإنهم لو رأونا لم يستقبلونا بفروجهم عند البول ، ولا تشاغلوا بشيء عن أخذنا ، والله أعلم . الرد على الرافضة فيما بهتوا به أبا بكر : فصل : وزعمت الرافضة أن في قوله عليه السلام لأبي بكر لا تحزن غضا من أبي بكر وذماً له ؛ فإن حزنه ذلك : إن كان طاعةً فالرسول عليه السلام لا ينهى عن الطاعة ، فلم يبق إلا أنه معصية ، فيقال لهم على جهة الجدل : قد قال الله لمحمد عليه السلام : « فلاَ يَحْزُنْك قولُهم » يس وقال : « ولا يَحْزُنْك الذين يُسارعون في الكفر » آل عمران وقال لموسى : « خُذْها ولاَ تَخفْ » طه وقالت الملائكة للوط : لا تخف ، ولا تحزن ، فإن زعمتم أن الأنبياء حين قيل لهم هذا كانوا في حال معصية ، فقد كفرتم ، ونقضتم أصلكم في وجوب العصمة للإمام المعصوم في زعمكم ، فإن الأنبياء هم الأئمة المعصومون بإجماع ،