عبد الرحمن السهيلي
21
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
موقف الوليد من القرآن : وذكر خبر الوليد بن المغيرة وقوله : فيما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي والقرآن : قد سمعنا الشعر فما هو بهزجه ، ولا رجزه . والهزج من أعاريض الشعر معروف عند العروضيين ، ولا أعرف له اشتقاقاً إلا أن يكون من قولهم في وصف الذباب : هزج ، أي : مترنم ، وأما الرجز فيحتمل أن يكون من رجزت الحمل إذا عدلته بالرجازة ، وهو شيء يعدل به الحمل ، وكذلك الرجز في الشعر أشطار معدلة ، ويجوز أن يكون من رجزت الناقة إذا أصابتها رعدة عند قيامها ، كما قال الشاعر : حتى تقوم تكلف الرجزاء فالمرتجز كأنه مرتعد عند إنشاده لقصر الأبيات . وقوله : قد سمعنا الكهان ، فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه : الزمزمة صوت ضعيف كنحو ما كانت الفرس تفعله عند شربها الماء ، ويقال أيضاً : زمزم الرعد ، وهو صوت له قبل الهدر ، وكذلك الكهان ، كانت لهم زمزمة الله أعلم بكيفيتها ، وأما زمزمة الفرس ، فكانت من أنوفهم . وقول الوليد : إن أصله لعذق ، وإن فرعه لجناة . استعارة من النخلة التي ثبت أصلها ، وقوي وطاب فرعها إذا جنى ، والنخلة هي : العذق بفتح العين ، ورواية ابن إسحاق أفصح من رواية ابن هشام ؛ لأنها استعارة تامة يشبه آخر الكلام أوله ، ورواية ابن هشام : إن أصله لغدق ، وهو الماء الكثير ، ومنه يقال : غيدق الرجل إذا كثر بصاقه ، وأحد أعمام النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمى : الغيداق لكثرة عطائه ، والغيدق أيضاً ولد الضب ، وهو أكبر من الحسل قاله قطرب في كتاب الأفعال والأسماء له . ذرني ومَن خلقت وحيداً : فصل : وذكر ابن إسحاق قول الله تعالى : « ذَرْني ومَنْ خَلَقْتُ وحيداً » الآيات التي نزلت في الوليد ، وفيها له تهديد ووعيد شديد ، لأن معنى : « ذَرْني وَمَنْ خلقتُ » أي دعني وإياه ، فسترى ما أصنع به ، كما قال : « فَذَرْني ومَنْ يُكَذِّبُ بهذا الحديث » القلم وهي كلمة يقولها المغتاظ إذا اشتد غيظه وغضبه ، وكره أن يشفع لمن اغتاظ عليه ، فمعنى الكلام : أي : لا شفاعة تنفع لهذا الكافر ، ولا استغفار يا محمد منك ، ولا من غيرك وقوله : « وبنين شهوداً » أي : مقيمين معه غير محتاجين إلى الأسفار والغيبة عنه ، لأن ماله ممدوداً والمال الممدود عندهم : اثنا عشر ألف دينار ، فصاعداً « وَمَهَّدْتُ له تمهيداً » أي : هيأت له ، وقدمت له مقدمات استدراجاً له ، وقوله تعالى : « سأُرْهِقُه صَعُوداً » هي عقبة في جهنم ، يقال لها : الصعود مسيرها سبعين سنةً ، يكلف الكافر أن يصعدها ، فإذا صعدها بعد عذاب طويل صب من أعلاها ، ولا يتنفس ، ثم لا يزال كذلك أبداً ، كذلك جاء في التفسير .