عبد الرحمن السهيلي

198

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة السجدة في صبح يوم الجمعة رواه سعيد بن إبراهيم عن الأعرج عن أبي هريرة ، ورواه مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس كلاهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه عن سعيد بن جبير أيضاً عروة بن عبد الرحمن ذكره البزار ، ورواه الترمذي في كتاب العلل له عن الأحوص ، ورواه أيضاً عن أبي الأحوص ، وعن علقمة عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فيه من ذكر الستة الأيام واتباعها بذكر خلق آدم من طين ، وذلك في يوم الجمعة تنبيهاً منه عليه السلام على الحكمة ، وتذكرة للقلوب بهذه الموعظة . وأما قراءته : « هَلْ أتى على الإنسان حينٌ من الدَّهْرِ » في الركعة الثانية ، فلما فيها من ذكر السعي وشكر الله لهم عليه يقول : « وكان سَعْيُكم مَشْكوراً » مع ما في أولها من ذكر بدء خلق الإنسان ، وأنه لم يكن قبل شيئاً مذكوراً ، وقد قال في يوم الجمعة : « فاسعَوْا إلى ذكرِ اللّه » فنبه بقراءته إياها على التأهب للسعي المشكور عليه والله أعلم ، ألا ترى أنه كان كثيراً ما يقرأ في صلاة الجمعة أيضاً بهل أتاك حديث الغاشية ، وذلك أن فيها : « لسَعْيها رَاضِية » كما في سورة الجمعة ، « فاسْعَوْا إلى ذكر اللّه » فاستحب عليه السلام أن يقرأ في الثانية ما فيه رضاهم بسعيهم المأمور به في السورة الأولى . معنى الجمعة : ولفظ الجمعة مأخوذ من الاجتماع ، كما قدمنا وكان على وزن فعلة وفعلة لأنه في معنى قربة ، وقربة والعرب تأتي بلفظ الكلمة على وزن ما هو في معناها ، وقالوا : عمرة ، فاشتقوا اسمها من عمارة المسجد الحرام ، وبنوه على فعلة لأنها وصلة وقربة إلى الله ، ولهذا الأصل فروع في كلام العرب ونظائر لهذين الاسمين يفيتنا تتبعه عما نحن بسبيله ، وفيما قدمناه ما هو أكثر من لمحة دالة ، وقالوا في الجمعة جمع بتشديد الميم كما قالوا عيد إذا شهد العيد ، وعرف إذا شهد عرفة ، ولا يقال في غير الجمعة إلا جمع بالتخفيف ، وفي البخاري : أول من عرف بالبصرة : ابن عباس ، والتعريف إنما هو بعرفات ، فكيف بالبصرة ، ولكن معناه أنه رضي الله عنه إذا صلى العصر يوم عرفة أخذ في الدعاء والذكر والضراعة إلى الله تعالى إلى غروب الشمس ، كما يفعل أهل عرفة . أيام الأسبوع وأسماؤها : وليس في تسميته هذه الأيام والاثنين إلى الخميس ما يشد قول من قال : إن أول الأسبوع : الأحد وسابعها السبت ، كما قال أهل الكتاب لأنها تسمية طارئة ، وإنما كانت أسماؤها في اللغة القديمة شيار وأول وأهون وجبار ودبار ومؤنس والعروبة ، وأسماؤها بالسريانية قبل هذا أبو جاد هوز حطي إلى آخرها ، ولو كان الله تعالى ذكرها في القرآن بهذه الأسماء المشتقة من العدد ، لقلنا : هي تسمية صادقة على المسمى بها ، ولكنه لم يذكر منها إلا الجمعة والسبت ، وليسا من المشتقة من العدد ، ولم يسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأحد والاثنين إلى سائرها إلا حاكياً للغة قومه لا مبتدئاً لتسميتها ، ولعل قومه أن يكونوا أخذوا معاني هذه الأسماء من أهل الكتاب المجاورين لهم ، فألقوا عليها هذه الأسماء اتباعاً لهم ، وإلا فقد قدمنا ما ورد في الصحيح من قوله عليه ا لسلام : إن الله خلق التربة يوم السبت والجبال يوم الأحد ، الحديث ، والعجب من الطبري على تبحره في العلم كيف خالف مقتضى هذا الحديث ، وأعنق في الرد على ابن إسحاق وغيره ، ومال إلى قول اليهود في أن الأحد هو الأول ويوم الجمعة سادس لا وتر وإنما الوتر في قولهم يوم السبت مع ما ثبت من قوله عليه السلام : أضلته اليهود والنصارى ، وهداكم الله إليه ، وما احتج به بالطبري من حديث آخر ، فليس في الصحة كالذي قدمناه ، وقد يمكن فيه التأويل