عبد الرحمن السهيلي
162
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
يعلمان أنه لم يطلق فيقبل القاضي شهادتهما فيطلق المرأة على الرجل ، فإذا بانت منه كان لأحد الشاهدين أن ينكحها مع علمه بأنه قد شهد زوراً ، لم يقل أبو حنيفة بهذا القول في الأموال لقول النبي عليه السلام : إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من صاحبه ، فأقضي له على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه ، فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعةً من النار ففي هذا الحديث مع الذي تقدم رد لمذهبه ، ولا حجة له في أن يقول ذلك مخصوص بالأموال من وجهين : أحدهما : أن القياس أصل من أصوله ، وقياس المسألتين واحد ، الثاني : أنه قال من حق أخيه ، ولم يقل من مال أخيه ، وهذا لفظ يعم الحقوق كلها قال المؤلف : وعندي أن أبا حنيفة رحمه الله : إنما بنى هذه المسألة على أصله في طلاق المكره ، فإنه عنده لازم فإذا أكره الرجل على الطلاق ، وقلنا يلزم الطلاق له ، فقد حرمت المرأة عليه ، وإذا حرمت عليه جاز أن ينكحها من شاء فالإثم إنما تعلق في هذا المذهب بالشهادة دون النكاح ، وقد خالفه فقهاء الحجاز في طلاق المكره ، وقولهم يعضده الأثر ، وقول أبي حنيفة يعضده النظر ، والخوض في هذه المسألة يصدنا عما نحن بسبيله . ورفعناه مكانا عليا . في قصة إدريس : فصل : وذكره لإدريس في السماء الرابعة مع قوله تعالى : « وَرَفَعْناهُ مَكَاناً عَلِيّاً » مريم ، مع أنه قد رأى موسى وإبراهيم في مكان أعلى من مكان إدريس فذلك والله أعلم لما ذكر عن كعب الأحبار أن إدريس خص من جميع الأنبياء أن رفع قبل وفاته إلى السماء الرابعة ، ورفعه ملك كان صديقاً له ، وهو الملك الموكل بالشمس فيما ذكر ، وكان إدريس سأله أن يريه الجنة ، فأذن له الله في ذلك ، فلما كان في السماء الرابعة رآه هنالك ملك الموت ، فعجب ، وقال أمرت أن أقبض روح إدريس الساعة في السماء الرابعة ، فقبضه هنالك ، فرفعه حياً إلى ذلك المكان العلي خاص له دون الأنبياء . ترحيب الأنبياء بمحمد صلى الله عليه وسلم : فصل : وذكر من قول الأنبياء له في كل سماء : مرحباً بالأخ الصالح ، وقول آدم وإبراهيم : بالابن الصالح وقد ذكرنا في أول هذا الكتاب حجةً لمن قال : إن إدريس ليس بجد لنوح ، ولا هو من آباء رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه قال مرحباً بالأخ الصالح ، ولم يقل : بالابن الصالح . موسى يطلب أن يكون من أمة محمد : وأما اعتناء موسى عليه السلام بهذه الأمة وإلحاحه على نبيها أن يشفع لها ، ويسأل التخفيف عنها ، فلقوله والله أعلم حين قضي إليه الأمر بجانب الغربي ، ورأى صفات أمة محمد عليه السلام في الألواح ، وجعل يقول : إني أجد في الألواح أمةً صفتهم كذا ، اللهم اجعلهم أمتي ، فيقال له : تلك أمة أحمد ، وهو حديث مشهور ، فكان إشفاقه عليهم واعتناؤه بأمرهم كما يعتني بالقوم من هو منهم ، لقوله : اللهم اجعلني منهم ، والله أعلم . عصمة الله له : ومما جاء في حديث الإسراء مما لم يذكره ابن إسحاق في مسند الحارث بن أبي أسامة أنه عليه السلام ناداه مناد ، وهو على ظهر البراق : يا محمد ، فلم يعرج عليه ، ثم ناداه آخر : يا محمد يا محمد ثلاثاً ، فلم يعرج عليه ، ثم لقيته امرأة عليها من كل زينة ناشرةً يديها ، تقول : يا محمد يا محمد ، حتى تغشته ، فلم يعرج عليها ، ثم سأل جبريل عما رأى ، فأخبره ، فقال : أما المنادي الأول ، فداعي اليهود لو أجبته لتهودت أمتك ، وأما الآخر فداعي النصارى ، ولو أجبته لتنصرت أمتك ، وأما المرأة التي كان عليها من كل زينة ، فإنها الدنيا لو أجبتها لآثرت الدنيا على الآخرة .