عبد الرحمن السهيلي
157
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
في جزء أمليناه في شرح سبحان الله وبحمده ، تضمن لطائف من معنى التقديس والتسبيح ، فلينظر هناك وأملينا أيضاً في معنى رؤية الرب سبحانه في المنام ، وفي عرصات القيامة مسألة لقناع الحقيقة في ذلك كاشفةً فمن أراد فهم الرؤية والرؤيا فلينظرها هنالك ، ويقوي ما ذكرناه من معنى إضافة التدلي إلى الرب سبحانه كما في حديث البخاري ما رواه ابن سنجر مسنداً إلى شريح بن عبيد ، قال : لما صعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء ، فأوحى إلى عبده ما أوحى ، فلما أحس جبريل بدنو الرب خر ساجد ، فلم يزل يسبح سبحان رب الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة حتى قضى الله إلى عبده ما قضى ، قال : ثم رفع رأسه ، فرأيته في خلقه الذي خلق عليه منظوماً أجنحته بالزبرجد واللؤلؤ والياقوت ، فخيل إلي أن ما بين عينيه قد سد الأفقين ، وكنت لا أراه قبل ذلك إلا على صور مختلفة ، وكنت أكثر ما أراه على صورة دحية بن خليفة الكلبي ، وكان أحياناً لا يراه قبل ذلك إلا كما يرى الرجل صاحبه من وراء الغربال . لقاؤه للنبيين : فصل : ومما سئل عنه من حديث الإسراء ، وتكلم فيه لقاؤه لآدم في السماء الدنيا ، ولإبراهيم في السماء السابعة ، وغيرهما من الأنبياء الذين لقيهم في غير هاتين السماءين ، والحكمة في اختصاص كل واحد منهم بالسماء التي رآه فيها ، وسؤال آخر في اختصاص هؤلاء الأنبياء باللقاء دون غيرهم ، وإن كان رأى الأنبياء كلهم ، فما الحكمة في اختصاص هؤلاء الأنبياء بالذكر ؟ وقد تكلم أبو الحسن بن بطال في شرح البخاري على هذا السؤال ، فلم يصنع شيئاً ، ومغزى كلامه الذي أشار إليه أن الأنبياء لما علموا بقدومه عليهم ابتدروا إلى لقائه ابتدار أهل الغائب للغائب القادم ، فمنهم من أسرع ، ومنهم من أبطأ . إلى هذا المعنى أشار فلم يزد عليه ، والذي أقول في هذا : إن مأخذ فهمه من علم التعبير ، فإنه من علم النبوءة ، وأهل التعبير يقولون : من رأى نبياً بعينه في المنام ، فإن رؤياه تؤذن بما يشبه حال ذلك النبي من شدة أو رخاء أو غير ذلك من الأمور التي أخبر بها عن الأنبياء في القرآن ، والحديث ، وحديث الإسراء كان بمكة وهي حرم الله وأمنه وقطانها جيران الله ، لأن فيها بيته ، فأول ما رأى عليه من الأنبياء آدم الذي كان في أمن الله وجواره ، فأخرجه عدوه إبليس منها ، وهذه القصة تشبهها الحالة الأولى من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم حين أخرجه أعداؤه من حرم الله وجوار بيته ، فكربه ذلك وغمه . وأشبهت قصته في هذا قصة آدم ، مع أن آدم تعرض عليه أرواح ذريته البر والفاجر منهم ، فكان في السماء الدنيا بحيث يرى الفريقين ، لأن أرواح أهل الشقاء لا تلج في السماء ، ولا تفتح لهم أبوابها كما قال الله تعالى ، ثم رأى في الثانية عيسى ويحيى وهما الممتحنان باليهود ، أما عيسى فكذبته اليهود وآذته ، وهموا بقتله فرفعه الله ، وأما يحيى فقتلوه ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله إلى المدينة صار إلى حالة ثانية من الامتحان ، وكانت محنته فيها باليهود ، آذوه وظاهروا عليه وهموا بإلقاء الصخرة عليه ، ليقتلوه فنجاه الله تعالى كما نجى عيسى منهم ، ثم سموه في الشاة ، فلم تزل تلك الأكلة تعاوده ، حتى قطعت أبهره كما قال عند الموت ، وهكذا فعلوا بابني الخالة : عيسى ويحيى ، لأن أم يحيى أشياع بنت عمران أخت مريم ، أمهما : حنة ، وأما لقاؤه ليوسف في السماء الثالثة ، فإنه يؤذن بحالة ثالثة تشبه حال يوسف ، وذلك بأن يوسف ظفر بإخوته بعدما أخرجوه من بين ظهرانيهم فصفح عنهم ، وقال : « لا تَثْرِيبَ عليكم » الآية ، وكذلك نبينا عليه السلام أسر يوم بدر جملةً من أقاربه الذين أخرجوه فيهم عمه العباس ، وابن عمه عقيل ، فمنهم من أطلق ، ومنهم من قبل فداءه ، ثم ظهر عليهم بعد ذلك عام الفتح فجمعهم ، فقال لهم : أقول ما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم ، ثم لقاؤه لإدريس في السماء الرابعة ، وهو المكان الذي سماه الله مكاناً علياً ، وإدريس أول من آتاه الله الخط بالقلم ، فكان ذلك مؤذناً