عبد الرحمن السهيلي
152
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
ولم يكن إذ ذاك من أصحاب اليمين إلا نفر قليل ، ولعله لم يكن مات تلك الليلة منهم أحد ، وظاهر الحديث يقضي أنهم كانوا جماعة . فالجواب أن يقال : إن كان الإسراء رؤيا بقلبه ، فتأويلها أن ذلك سيكون ، وإن كانت رؤيا عين ، كما قال ابن عباس وغيره بمعناه : أن ذلك أرواح المؤمنين رآها هنالك ، لأن الله تعالى يتوفى الخلق في منامهم ، كما قال في التنزيل : « اللَّهُ يَتَوفَّى الأنْفُسَ حِين مَوْتِها » الزمر فصعد بالأرواح إلى هنالك ، فرآها ثم أعيدت إلى أجسادها . وجواب آخر : وهو أن أصحاب اليمين الذين ذكرهم الله تعالى في سورة المدثر في قوله تعالى : « إلا أصحابَ الْيَمِين في جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُون عن الْمُجْرِمين » . قال ابن عباس : هم الأطفال الذين ماتوا صغاراً ، ولذلك سألوا المجرمين : « مَا سَلككُم في سَقَر » لأنهم ماتوا قبل أن يعلموا بكفر الكافرين ، وقد ثبت في الصحيح أن أطفال المؤمنين والكافرين في كفالة إبراهيم عليه السلام ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل حين رآهم في الروضة مع إبراهيم : من هؤلاء يا جبريل ؟ فقال : أولاد المؤمنين الذين يموتون صغاراً ، فقال له : وأولاد الكافرين ، قال : وأولاد الكافرين . خرجه البخاري في الحديث الطويل من كتاب الجنائز ، وخرجه في موضع آخر ، فقال فيه : أولاد الناس ، فهو في الحديث الأول نص ، وفي الثاني عموم ، وقد روي في أطفال الكافرين أنهم خدم لأهل الجنة ، فعلى هذا لا يبعد أن يكون الذي رآه عن يمين آدم من نسم ذريته أرواح هؤلاء ، وفي هذا ما يدفع تشعيب هذا السؤال والاعتراض منه . حكم من أحكام الماء : فصل : وفيه شربه من إناء القوم ، وهو مغطى ، والماء وإن كان لا يملك والناس شركاء فيه ، وفي النار والكلأ كما جاء في الحديث ، لكن المستقى إذا أحرزه في وعائه ، فقد ملكه ، فكيف استباح النبي صلى الله عليه وسلم شربه وهو ملك لغيره ، وأملاك الكفار لم تكن أبيحت يومئذ ، ولا دماؤهم . فالجواب أن العرب في الجاهلية كان في عرف العادة عندهم إباحة الرسل لابن السبيل فضلاً عن الماء ، وكانوا يعهدون بذلك إلى رعائهم ، ويشترطونه عليهم عند عقد إجارتهم : ألا يمنعوا الرسل ، وهو اللبن من أحد مر بهم ، وللحكم في العرف في الشريعة أصول تشهد له ، وقد ترجم البخاري عليه في كتاب البيوع ، وخرج حديث هند بنت عتبة ، وفيه : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف . بيت المقدس : فصل : وذكر فيه أنه دخل بيت المقدس ، ووجد فيه نفراً من الأنبياء ، فصلى بهم ، وفي حديث الترمذي الذي قدمناه عن حذيفة أنه أنكر أن يكون صلى بهم ، وقال : ما زال من ظهر البراق ، حتى رأى الجنة والنار ، وما وعده الله تعالى ، ثم عاد إلى الأرض ، وزيادة العدل مقبولة ، ورواية من أثبت مقدمة على رواية من نفى ، وذكر فيه صفة الأنبياء ، وقال في عيسى : كأن رأسه يقطر ماءً وليس به ماء ، وكأنه خرج من ديماس والديماس : الحمام ، وأصله : دماس ويجمع على دماميس ، وقد قيل في جمعه : دياميس ، ومثله ، قيراط ودينار وديباج ، الأصل فيها كلها : التضعيف ، ثم قلب الحرف المدغم ياء ، فلما جمعوا وصغروا ، ردوه إلى أصله ، فقالوا : قراريط ودنانير : وقريريط ودنينير ، غير أنهم لم يقولوا : دنانير ولا قياريط ، كما قالوا : دياميس ، وقالوا : دبابيج ودبابيج ، وأصل الدمس : التغطية ومنه ليل دامس ، وفي هذه الصفة من صفات عيسى عليه السلام إشارة إلى الري والخصب الذي يكون في أيامه إذ أهبط إلى الأرض والله أعلم . وذكر في صفة موسى أنه آدم طوال ، ولوصفه إياه بالأدمة أصل في كتاب الله تعالى ، قاله الطبري عند تفسير قوله : « تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوِءٍ » قال : في خروج يده بيضاء آية في أن خرجت بيضاء مخالفاً لونها لسائر لون جسده ، وذلك دليل بين على الأدمة التي هي خلاف البياض .