عبد الرحمن السهيلي
146
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
وعلم التعبير من علم النبوءة مقتبس . وذكر في صفة الحوض الطير التي ترده كأعناق البخت ، ويقابله من صفة العلم في الدنيا ورود الطالبين من كل صقع وقطر على حضرة العلم وانتيابهم إياها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده ، فتأمل صفة الكوثر معقولة في الدنيا ، محسوسةً في الآخرة مدركة بالعيان هنالك يبين لك إعجاز التنزيل ومطابقة السورة لسبب نزولها ، ولذلك قال فضيل : « فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَر » أي : تواضع لمن أعطاك الكوثر بالصلاة له ، فإن الكثرة في الدنيا تقتضي في أكثر الخلق الكبر : وتحدو إلى الفخر والمحيرية ، فلذلك كان عليه السلام طأطأ رأسه عام الفتح حين رأى كثرة أتباعه ، وهو على الراحلة حتى ألصق عثنونه بالرحل امتثالاً لأمر ربه ، وكذلك أمره بالنحر شكراً له ، ورفع اليدين إلى النحر في الصلاة عند استقبال القبلة التي عندها ينحر ، وإليها يهدي معناه : الجمع بين الفعلين . النحر المأمور به يوم الأضحى ، والإشارة إليه في الصلاة برفع اليدين إلى النحر ، كما أن القبلة محجوجة مصلى إليها ، فكذلك ينحر عندها ، ويشار إلى النحر عند استقبالها ، وإلى هذا التفت عليه السلام حين قال : من صلى صلاتنا ، واستقبل قبلتنا ، ونسك نسكنا فهو مسلم وقد قال الله سبحانه : « قل إنَّ صَلاتِي ونُسُكي ومَحْيَايَ وَمَمَاتي لِلَّهِ ربّ العالمين لا شريكَ له وبذلك أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المسلمين » الأنعام فقرن بين الصلاة إلى الكعبة ، والنسك إليها ، كما قرن بينهما حين قال : « فَصَلِّ لربِّك وانْحَرْ » وذكر في صفة الحوض : كما بين صنعاء وأيلة وقد جاء فيه أيضاً في الصحيح كما بين جرباء وأذرح وبينهما مسافة بعيدة ، وفي الصحيح أيضاً في صفته : كما بين عدن أبين إلى عمان ، وقد تقدم ذكر أبين ، وأنه ابن زهير بن أيمن بن حمير ، وأن عدن سميت برجل من حمير عدن بها ، أي : أقام ، وتقدم أيضاً ما قاله الطبري أن عدن وأبين هما ابنا عدنان أخوا معد ، وأما عمان بتشديد الميم وفتح العين ، فهي بالشام قرب دمشق ، سميت بعمان بن لوط بن هاران ، كان سكنها فيما ذكروا وأما عمان بضم العين وتخفيف الميم ، فهو باليمن سميت بعمان بن سنان ، وهو من ولد إبراهيم فيما ذكروا وفيه نظر ؛ إذ لا يعرف في ولد إبراهيم لصلبه من اسمه سنان . وفي صفة الحوض أيضاً كما بين الكوفة ومكة ، وكما بين بيت المقدس والكعبة ، وهذه كلها روايات متقاربة المعاني ، وإن كانت المسافات بعضها أبعد من بعض ، فكذلك الحوض أيضاً له طول وعرض وزوايا وأركان ، فيكون اختلاف هذه المسافات التي في الحديث على حسب ذلك جعلنا الله من الواردين عليه ، ولا أظمأ أكبادنا في الآخرة إليه . ومما جاء في معنى الكوثر ما رواه ابن أبي نجيح عن عائشة قالت : الكوثر نهر في الجنة ، لا يدخل أحد إصبعيه في أذنيه إلا سمع خرير ذلك النهر وقع هذا الحديث في السيرة من رواية يونس ، ورواه الدارقطني من طريق مالك بن مغول عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله أعطاني نهراً يقال له الكوثر لا يشاء أحد من أمتي أن يسمع خرير ذلك الكوثر إلا سمعه ، فقلت : يا رسول الله وكيف ذلك ؟ قال : أدخلي إصبعيك في أذنيك وشدي ، فالذي تسمعين فيهما من خرير الكوثر . وروى الدارقطني من طريق جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي : والذي نفسي بيده إنك لذائد عن حوضي يوم القيامة تذوذ عنه كفار الأمم ، كما تذاد الإبل الضالة عن الماء بعصاً من عوسج إلا أن هذا الحديث يرويه حرام بن عثمان عن ابني جابر ، وقد سئل مالك عنه ، فقال : ليس بثقة ، وأغلظ فيه الشافعي القول ، وأما قوله عليه السلام : ومنبري على حوضي ، فقد قيل في معناه أقوال ، ويفسره عندي الحديث الآخر ، وهو قوله عليه السلام ، وهو على المنبر : إني لأنظر إلى حوضي الآن من مقامي هذا فتأمله .