عبد الرحمن السهيلي

118

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

فيها طرف من معنى الشرط ؛ ولذلك جاءت كان بلفظ الماضي بعده ، فصار معنى الكلام : من يكن صبياً ، فكيف يكلم ؟ ! لما أشارت إلى الصبي : أن كلموه ، ولو قالوا : كيف نكلم من هو في المهد الآن لكان الإنكار والتعجب مخصوصاً به ، فلما قالوا : كيف نكلم من كان ، صار الكلام أبلغ في الاحتجاج للعموم الداخل فيه . إلى هذا الغرض أشار أبو إسحق ، وهو الذي أراد ، وإن لم يكن هذا لفظه ، فليس المقصود العبارات ، وإنما المقصود تصحيح المعاني المتلقاة من الألفاظ والإشارات . شجرة الزقوم : فصل : وذكر حديث أبي جهل حين ذكر شجرة الزقوم يقال : إن هذه الكلمة لم تكن من لغة قريش ، وأن رجلاً أخبره أن أهل يثرب : يقولون تزقمت : إذا أكلت التمر بالزبد ، فجعل بجهله اسم الزقوم من ذلك استهزاء ، وقيل : إن هذا الاسم أصلاً في لغة اليمن ، وأن الزقوم عندهم كل ما يتقيأ منه . وذكر أبو حنيفة في النبات : أن شجرة باليمن يقال لها : الزقوم ، لا ورق لها وفروعها أشبه شيء برؤوس الحيات ، فهي كريهة المنظر ، وفي تفسير ابن سلام والماوردي أن شجرة الزقوم في الباب السادس من جهنم أعاذنا الله منها ، وأن أهل النار ينحدرون إليها . قال ابن سلام : وهي تحيا باللهب كما تحيا شجرة الدنيا بالمطر . وقوله : الملعونة في القرآن ، أي : الملعون آكلها ، وقيل : بل هو وصف لها كما يقال : يوم ملعون أي مشؤوم . حديث ابن أم مكتوم : فصل : وذكر حديث ابن أم مكتوم ، وذكر اسمه ونسبه . وأم مكتوم : اسمها : عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بن عامر بن مخزوم . وذكر الرجل الذي كان شغل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه الوليد بن المغيرة ، وقد قيل : كان أمية بن خلف ، وفي حديث الموطأ : عظيم من عظماء المشركين ، ولم يسمه ، وفي قوله سبحانه : « أنْ جاءَه الأعمى » من الفقه أن لا غيبة في ذكر الإنسان بما ظهر في خلقته من عمىً أو عرج ، إلا أن يقصد به الازدراء ، فيلحق المأثم به ؛ لأنه من أفعال الجاهلين ، قال الله تعالى : « أتتخذُنا هُزُواً قال أعوذ باللّه أن أكُونَ من الجاهلين » البقرة . وفي ذكره إياه بالعمى من الحكمة والإشارة اللطيفة التنبيه على موضع العتب ؛ لأنه قال : « أنْ جاءه الأعْمَى » فذكر المجيء مع العمى ، وذلك ينبئ عن تجشم كلفة ومن تجشم القصد إليك على ضعفه ، فحقك الإقبال عليه ، لا الإعراض عنه ، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم معتوباً على توليه عن الأعمى ، فغيره أحق بالعتب ، مع أنه لم يكن آمن بعد ، ألا تراه يقول : « وما يُدْرِيك لعلَّه يزَّكَّى » الآية ولو كان قد صح إيمانه ، وعلم ذلك منه لم يعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو أعرض لكان العتب أشد ، والله أعلم ، وكذلك لم يكن ليخبر عنه ، ويسميه بالاسم المشتق من العمى ، دون الاسم المشتق من الإيمان والإسلام ، لو كان دخل في الإيمان قبل ذلك والله أعلم ، وإنما دخل فيه بعد نزول الآية ، ويدل على ذلك قوله للنبي صلى الله عليه وسلم : استدنني يا محمد ولم يقل : استدنني يا رسول الله ، مع أن ظاهر الكلام يدل على أن الهاء في لعله يزكى عائدة على الأعمى ، لا على الكافر ؛ لأنه لم يتقدم له ذكر بعد ، ولعل تعطي الترجي والانتظار ، ولو كان إيمانه قد تقدم قبل هذا لخرج عن حد الترجي والانتظار للتزكي ، والله أعلم .