عبد الرحمن السهيلي
116
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
ابن الزبعري وعزير : حديث ابن الزبعرى وعزير وذكر حديث ابن الزبعرى ، وقوله : إنا نعبد الملائكة ، وأن النصارى تعبد المسيح إلى آخر كلامه ، وما أنزل الله في ذلك من قوله تعالى : « إن الذين سَبَقَتْ لهم مِنَّا الْحُسْنَى » الآية قال المؤلف : ولو تأمل ابن الزبعرى وغيره من كفار قريش الآية لرأى اعتراضه غير لازم من وجهين : أحدهما : أنه خطاب متوجه على الخصوص لقريش وعبدة الأصنام ، وقوله إنا نعبد الملائكة حيدة ، وإنما وقع الكلام والمحاجة في اللات والعزى وهبل ، وغير ذلك من أصنامهم . والثاني : أن لفظ التلاوة : « إنكم وما تعبدون » ولم يقل : ومن تعبدون ، فكيف يلزم اعتراضه بالمسيح وعزير والملائكة وهم يعقلون ، والأصنام لا تعقل ، ومن ثم جاءت الآية بلفظ : ما الواقعة على ما لا يعقل ، وإنما تقع ما على ما يعقل ، وتعلم بقرينة من التعظيم والإبهام ، ولعلنا نشرحها ونبينها فيما بعد إن قدر لنا ذلك ، وسبب عبادة النصارى للمسيح معروف ، وأما عبادة اليهود عزيراً ، وقولهم فيه : إنه ابن الله سبحانه وتعالى عن قولهم ، وسببه فيما ذكر عبد بن حميد الكشي ، أن التوراة لما احترقت أيام بخت نصر ، وذهب بذهابها دين اليهود ، فلما ثاب إليهم أمرهم وجدوا لفقدها أعظم الكرب ، فبينما عزير يبكي لفقد التوراة ، إذ مر بامرأة جاثمة على قبر قد نشرت شعرها ، فقال لها عزير : من أنت ؟ قالت : أنا إيليا أم القرى أبكي على ولدي ، وأنت تبكي على كتابك ، وقالت له : إذا كان غداً ، فأت هذا المكان ، فلما أن جاء من الغد للساعة التي وعدته ، إذا هو بإنسان خارج من الأرض في يده كهيئة القارورة ، فيها نور ، فقال له : افتح فاك ، فألقاها في جوفه ، فكتب عزير التوراة كما أنزلها الله ، ثم قدر على التوراة بعدما كانت دفنت أن ظهرت ، فعرضت التوراة ، وما كان عزير كتب ، فوجدوه سواء ، فمنها قالوا : إنه ولد الله تعالى عن ذلك . حصب جهنم : وقوله حصب جهنم ، هو من باب القبض والنفض والحصب بسكون الصاد كالقبض والنفض ، ومنه الحاصب في قوله سبحانه : « أنْ يرسِل عليكم حاصِباً » ويروى : حضب جهنم بضاد معجمة في شواذ القراءات ، وهو من حضبت النار بمنزلة حضأتها ، يقال : أرثتها وأثقبتها وحششتها وأذكيتها وفسر ابن إسحاق قوله : يصدون ، ومن قرأ : يصدون فمعناه : يعجبون . ما نزل في الأخنس : فصل : وذكر ما أنزل الله تعالى في الأخنس بن شريق واسمه : أبي من قوله تعالى : « عُتُلِّ بعد ذلك زنيم » وقد قيل : نزلت في الوليد بن المغيرة ، وقد قيل : في الأسود بن عبد يغوث الزهري ، وقال ابن عباس : نزلت في رجل من قريش له زنمتان كزنمتي الشاة . رواه البخاري بإسناده عنه . وفي رواية أخرى أنه قال : الزنيم الذي زنمتان من البشر يعرف بها ، كما تعرف الشاة بزنمتها ، وروي عن ابن عباس أيضاً مثل ما قال ابن إسحاق أن الزنيم الملصق بالقوم ، وليس منهم ، قال ذلك ابن الأزرق الحروري ، وقال : أما سمعت قول حسان : زنيم تداعاه الرجال البيت ، وقد أنشد ابن هشام هذا البيت مستشهداً به ونسبه للخطيم التميمي ، والأعرف أنه لحسان ، كما قال ابن عباس ، وأما العتل فهو الغليظ الجافي من قوله تعالى : « خُذُوه فاعْتِلُوه إلى سَوَاءِ الْجَحِيم » الدخان . وقال عليه السلام : أنا أنبئكم بأهل النار : كل عتل جواظ مستكبر جماع مناع .