عبد الرحمن السهيلي
112
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
وقال الآخر وهو يستقي على إبله : يا مسد الخوص تعوّذ منّي * إن تك لدنّا ليّناً فإنّي * ما شئت من أشمط مقسئنّ * وقال آخر : يا ربّ عبسٍ لا تبارك في أحد * في قائم منهم ، ولا فيمن قعد * غير الأُولى شدّوا بأطراف المسد * أي : استقوا ، وقال آخر ، وهو يستقي : ومسدٍ أُمرّ من أيانق * ليس بأنيابٍ ولا حقائق يريد : جمع أينق ، وأينق : جمع ناقة مقلوب ، وأصله : أنوق ، فقلب ، وأبدلت الواو ياء ؛ لأنها قد أبدلت ياء للكسرة ، إذا قالوا : نياق ، وقلبوه فراراً من اجتماع همزتين لو قالوا : أنوق على الأصل ، يريد أن المسد من جلودها . وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في المدينة : قد حرمتها إلا لعصفور قتب ، أو مسد محالة ، والمحالة : البكرة . وفي حديث آخر : أنه حرمها بريداً في بريد إلا المنجدة أو مسد ، والمنجدة : عصا الراعي . وقال أبو حنيفة في النبات : كل مسد رشاء ، وأنشد : وبكرةً ومحوراً صرّارا * ومسداً من أبقٍ مغارا والأبق : القنب ، والزبر : الكتان ، وأنشد أيضاً : أنزعها تمطيّاً ومثّا * بالمسد المثلوث أو يرمثا فقد بان لك بهذا أن المسد حبل البئر ، وقد جاء في صفة جهنم أعاذنا الله منها أنها كطي البئر لها قرنان ، والقرنان من البئر : كالدعامتين للبكرة ، فقد بان لك بهذا كله ، ما ذكره أهل التفسير من صفة عذابها أعاذنا الله من عذابه وأليم عقابه ، وبهذا تناسب الكلام ، وكثرت معانيه ، وتنزه عن أن يكون فيه حشو أو لغو تعالى الله منزله ؛ فإنه كتاب عزيز . وقول مجاهد : إنها السلسلة التي ذرعها سبعون ذراعاً لا ينفي ما تقدم ، إذ يجوز أن يربق في تلك السلسلة أم جميل وغيرها ، فقد قال أبو الدرداء لامرأته : يا أم الدرداء إن لله سلسلة تغلي بها مراجل جهنم منذ خلق الله النار إلى يوم القيامة ، وقد نجاك من نصفها بالإيمان بالله ، فاجتهدي في النجاة من النصف الآخر بالحض على طعام المسكين ، وكذلك قول مجاهد : إنها كانت تمشي بالنمائم لا ينفي حملها للشوك ، وهو في كلام العرب سائغ أيضاً ، فقد قال ابن الأسلت لقريش حين اختلفوا : ونبّئتكم شرجين كل قبيلة * لها زمّل من بين مذك وحاطب