عبد الرحمن السهيلي

109

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

حديث الصحيفة التي كتبتها قريش تفسير سورة المسد : ذكر فيه قول أبي لهب ليديه : تباً لكما ، لا أرى فيكما شيئاً مما يقول محمد ، فأنزل الله تعالى : « تَبَّت يدا أبي لهب وتب » ، هذا الذي ذكره ابن إسحاق يشبه أن يكون سبباً لذكر الله سبحانه يديه ، حيث يقول : « تَبَّتْ يَدَا أبي لَهَبٍ » وأما قوله : وتب ، فتفسيره ما جاء في الصحيح من رواية مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عباس ، قال : لما أنزل الله تعالى : « وأنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِين » الشعراء خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الصفا ، فصعد عليه ، فهتف : يا صباحاه ، فلما اجتمعوا إليه ، قال : أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل ، أكنتم مصدقي ؟ قالوا : ما جربنا عليك كذباً . قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد . فقال أبو لهب : تباً لك ألهذا جمعتنا ؟ ! فأنزل الله تعالى : « تبَّتْ يدا أبي لَهَبٍ » ، وقد تب . هكذا قرأ مجاهد والأعمش ، وهي والله أعلم قراءة مأخوذة عن ابن مسعود ، لأن في قراءة ابن مسعود ألفاظاً كثيرة تعين على التفسير قال مجاهد : لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود قبل أن أسأل ابن عباس ، ما احتجت أن أسأله عن كثير مما سألته ، وكذلك زيادة قد في هذه الآية ، فسرت أنه خبر من الله تعالى ، وأن الكلام ليس على جهة الدعاء ، كما قال تعالى : « قاتلهم اللّه أنّى يُؤْفَكُون » التوبة ، أي : إنهم أهل أن يقال لهم هذا ، فتبت يدا أبي لهب ، ليس من باب : قاتلهم الله ، ولكنه خبر محض بأن قد خسر أهله وماله ، واليدان : آلة الكسب ، وأهله وماله مما كسب فقوله : « تَبَّت يدا أبي لَهَبٍ » ، تفسيره قوله : « ما أغنى عنه مالُه وما كَسَبَ » وولد الرجل من كسبه ، كما جاء في الحديث ، أي خسرت يداه هذا الذي كسبت ، وقوله : وتب ، تفسيره . « سَيَصْلى ناراً ذات لهبٍ » أي : قد خسر نفسه بدخوله النار ، وقول أبي لهب : تباً لكما ، ما أرى فيكما شيئاً ، يعني : يديه : سبب لنزول تبت يدا كما تقدم . وقوله في الحديث الآخر : تباً لك يا محمد ، سبب لنزول قوله سبحانه : « وتبْ » فالكلمتان في التنزيل مبنيتان على السببين ، والآيتان بعدهما تفسير للتبيين . تباب يديه ، وتبابه هو في نفسه ، والتبب على وزن التلف لأنه في معناه ، والتباب كالهلاك والخسار وزناً ومعنى ، ولذلك قيل فيه : تبب وتباب . تفسير ألفاظ ذكرت في شعر أبي طالب : فصل : ذكر شعر أبي طالب : * ألا أبلغا عني على ذات بيننا * قال قاسم بن ثابت : ذات بيننا ، وذات يده ، وما كان نحوه : صفة لمحذوف مؤنث ، كأنه يريد الحال التي هي ذات