الشيخ حسين الكريمي القمي
126
العقل والبلوغ ( عند الإمامية )
وهكذا ما دلّ على وجوب العدل وحرمة الظلم وغيرهما من المستقلاّت لا يحمل على الإرشاد مع وجود ما ذكر من المناط ; وذلك لأنّ الدعوة الدينيّة إنّما هي لتكميل النفوس وقربها إلى ساحة مالك الملوك ، كما يدلّ عليه قوله تعالى : ( وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون ) وقوله : ( وما أُمروا إلاّ ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) ( 1 ) فانحصر بحكم الآية الأُولى أمر الخلقة في معرفة ربّ الأرباب والقرب إلى ساحته ، ونظام التشريع مطابق لنظام التكوين ، وهو لا يحصل إلاّ بأن يمكن قصد التقرّب إليه تعالى في جميع الحركات والسكنات من الأُمور التعبّدية والتوصّلية : فإنّ جملة من النفوس القويّة القدسيّة لا تعتني إلاّ بأمره ونهيه ، ولا تلتفت إلى منافع الأُمور ومضارّها وموافقة العقول ومخالفتها ، فهم من غاية توغّلهم في العبوديّة وكمال توجّههم إلى عظمة الربوبيّة لا يعبدون الله للخوف من النار ولا للرغبة في الجنّة ولذّات الثمار ، بل همّهم في الأُمور رعاية أعلى مراتب الخلوص ، ورضا المعبود ، والخوف من فراقه ، والشوق إلى قرب جواره ، وامتثال أوامره ، كما دلّ عليه كلام سيّد الموحّدين أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بقوله : « ما عبدتك خوفاً من نارك ، ولا طمعاً في جنّتك ، بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك » ( 2 ) وقال في دعاء كميل : « فكيف أصبر على فراقك » وقال سيّد الأحرار وسيّد الشهداء أبو عبد الله الحسين ( عليه السلام ) : « وإنّ قوماً عبدوا الله شكراً ، وهي أفضل العبادة » ( 3 ) وقاعدة اللطف ووجوب الأصلح تقتضي أن
--> ( 1 ) البيّنة : 5 . ( 2 ) العروة الوثقى : بحث نية الصلاة . ( 3 ) نسيم ولايت ( لمؤلف الكتاب ) : ص 58 عن بحار الأنوار .