الشيخ محمد جواد البلاغي

227

الرحلة المدرسية

الظلم والجور . وإدمان الحروب والغارات . قد امتازت كل قبيلة بجبروت رياستها ، واستقلت بعصبية قوميتها ، حتى إن كل قبيلة اختصت بصنم معبود ، لئلا تخضع إلى قبيلة أخرى ، واستمروا على ذلك أجيالا متعددة تتراكم عليهم فيها ظلمات الوحشية . وضلالات الوثنية ، وعوائد الظلم ، وقساوة العداوة ، والحروب المبيدة الفظيعة - بل كانت الدنيا بأسرها مرتبكة بين العبادة الأوثانية الصريحة . وبين التثليث وتجسيد الإله والسجود للأيقونات ( الصور والتماثيل ) وإن جرى لفظ التوحيد على بعض الألسن لفظا بلا معنى ، حتى إنك رأيت معارف التوراة الدارجة في الإلهيات وعرفت أنها من مبادئ وثنية يجب أن ينزه عنها جلال الله . وعند تراكم هذه الظلمات والضلالات ، وهيجان براكينها الهائلة نبغ صاحب دعوة الاسلام والتوحيد الحقيقي ( محمد ) وأعلن بين العرب بادئ بدء بدعوة الاسلام التي هي أثقل عليهم من الجبال ، فدعاهم جهارا إلى رفض معبوداتهم من الأوثان ، وترك عوائدهم الوحشية ، وإلى الخضوع لعدل المدنية ، والتجمل بالأخلاق الفاضلة والآداب الراقية ، واستمر على هذه الدعوة في مكة نحو ثلاثة عشر سنة . وفي السنة الثالثة من دعواه الرسالة أعلن بدعوته لعامة الناس إعلاما تاما . وصار ينادي بدعوته في جميع أيامه في المحافل والمواسم بجميل الموعظة ، وقاطع الحجة ، والانذار بالعقاب والبشرى بالثواب ، وحسن الترغيب والترهيب ، وتلاوة القرآن . والإعذار بالنصيحة . لم يهب في دعوته طاغوتا ولم يستحقر فيها صعلوكا . يدعو الشريف والحقير والمرأة والعبد . وقد آمن في خلال هذه الدعوة بدعوته الثقيلة على الأهواء من كل وجهة خلق كثير من أهل مكة وضواحيها من قريش وغيرهم ، واحتملوا في سبيل ذلك أشد الاضطهاد والهوان والجلاء عن الأوطان إلى الحبشة وغيرها . فكم من شريف في قبيلته عزيز في أهله وقومه صار بإسلامه مهانا مضطهدا ، وكل هذا لم يصد الناس عن الاسلام لا يصد الضعيف ما يقاسيه من العذاب ولا يصد الشريف العزيز ما يلاقيه من