حسن محمد تقي الجواهري

53

الربا فقهياً واقتصادياً

أن هذا الكلام ليس مبتنيا كما ذكر ذلك ابن القيم على ما يراه من أن ربا النسيئة محرم لذاته وأن ربا الفضل محرم لسد الذريعة ، بل إذا كانا كلاهما محرمين لذاتهما ، فيمكن أن يكون « لا ربا إلا في النسيئة » محمولا على المجازية ، باعتبار أنه الواقع في الأكثر خارجا ، وحينئذ يكون كمعنى « لا صلاة لمن جاره المسجد إلا في المسجد » أي لا صلاة كاملة ، لا أنها تنفي حقيقة الصلاة . وعلى هذا فمن ينكر مبنى ابن القيم كما تقدم ذلك منا يمكنه قبول هذا الوجه من التأويل . هذا وقد ذكر جمع من العامة أن رواية « لا ربا إلا في النسيئة » منسوخة ، ولكن لم يثبت ذلك ، ومجرد احتمال تأخر حديث الأصناف الستة لا يصلح لإثبات النسخ . وخلاصة القول : أن التعارض بين حديث الأصناف الستة وحديث أسامة أما أن يرفع بأحد الوجوه التي ذكرناها ، وأما أن يستحكم التعارض فتطبق أحكامه من ترجيح لأحد الحديثين ، وإذا لم نستطع الترجيح واستحكم التعارض فيتساقط الحديثان في مورد المعارضة وهو « ربا الفضل » وحينئذ يمكننا تحريم ربا الفضل بالإجماع الذي يمكن ادعاؤه بعد رجوع قسم من الصحابة حيث كانوا قائلين به ، فإن الصحابة الذين قالوا بحديث « لا ربا إلا في النسيئة هم : عبد الله ابن عباس ، عبد الله بن عمر ، عبد الله بن مسعود ، عبد الله بن الزبير ، أسامة بن زيد ، زيد بن أرقم ، البراءة بن عازب ، ومعاوية بن أبي سفيان . وقد رجع من هؤلاء كما تقدم ابن عباس وابن عمر وابن مسعود ، وأما عبد الله بن الزبير وزيد بن أرقم والبراء بن عازب ، فإن لم تقبل روايتهم كما تقدم فعدم قبول آرائهم أولى لأننا نعلم أن آراءهم مستندة إلى رواياتهم ، وأما معاوية فأمره واضح ، فلم يبق إلا أسامة وهو لا يضر بانعقاد الإجماع الذي تقوم حجيته على حساب الاحتمال . ثم إن لنا طريقا لإسقاط رواية أسامة : وهو عبارة عن إعراض الأصحاب