فخر الدين الرازي
92
تفسير الرازي
وريحان وجنة نعيم ) * ( الواقعة : 88 - 89 ) وفاء التعقيب تدل على أن هذا الروح والريحان والجنة حاصل عقيب الموت ، وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام : " من مات فقد قامت قيامته " والفاء فاء التعقيب تدل على أن قيامة كل أحد حاصلة بعد موته ، وأما القيامة الكبرى فهي حاصلة في الوقت المعلوم عند الله ، وأيضا قوله عليه الصلاة والسلام : " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار " وأيضا روي أنه عليه الصلاة والسلام يوم بدر كان ينادي المقتولين ويقول : " هل وجدتم ما وعد ربكم حقا " فقيل له : يا رسول الله إنهم أموات ، فكيف تناديهم ، فقال عليه الصلاة والسلام : " إنهم أسمع منكم " أو لفظاً هذا معناه ، وأيضاً قال عليه الصلاة والسلام : " أولياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار " وكل ذلك يدل على أن النفوس باقية بعد موت الجسد . وأما المعقول فمن وجوه : الأول : وهو أن وقت النوم يضعف البدن ، وضعفه لا يقتضي ضعف النفس ، بل النفس تقوى وقت النوم فتشاهد الأحوال وتطلع على المغيبات ، فإذا كان ضعف البدن لا يوجب ضعف النفس ، فهذا يقوي الظن في أن موت البدن لا يستعقب موت النفس . الثاني : وهو أن كثرة الأفكار سبب لجفاف الدماغ ، وجفافه يؤدي إلى الموت ، وهذه الأفكار سبب لاستكمال النفس بالمعارف الإلهية ، وهو غاية كمال النفس ، فما هو سبب في كمال النفس فهو سبب لنقصان البدن ، وهذا يقوي الظن في أن النفس لا تموت بموت البدن . الثالث : أن أحوال النفس على ضد أحوال البدن ، وذلك لأن النفس انما تفرح وتبتهج بالمعارف الإلهية ، والدليل عليه قوله تعالى : * ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) * ( الرعد : 28 ) وقال عليه الصلاة والسلام : " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ولا شك أن ذلك الطعام والشراب ليس الا عبارة عن المعرفة والمحبة والاستنارة بأنوار عالم الغيب وأيضا ، فانا نرى أن الانسان إذا غلب عليه الاستبشار بخدمة سلطان ، أو بالفوز بمنصب ، أو بالوصول إلى معشوقه ، قد ينسى الطعام والشراب ، بل يصير بحيث لو دعي إلى الأكل والشرب لوجد من قلبه نفرة شديدة منه ، والعارفون المتوغلون في معرفة الله تعالى قد يجدون من أنفسهم أنهم إذا لاح لهم شيء من تلك الأنوار ، وانكشف لهم شيء من تلك الاسرار ، لم يحسوا البتة بالجوع والعطش وبالجملة فالسعادة النفسانية كالمضادة للسعادة الجسمانية ، وكل ذلك يغلب على الظن أن النفس مستقلة بذاتها ولا تعلق لها بالبدن ، وإذا كان كذلك وجب أن لا تموت النفس بموت البدن ، ولتكن هذه الاقناعيات كافية في هذا المقام . واعلم أنه متى تقررت هذه القاعدة زالت الاشكالات والشبهات عن كل ما ورد في القرآن من ثواب القبر وعذابه ، وإذا عرفت هذه القاعدة فنقول : قال بعض المفسرين : أرواح الشهداء أحياء