فخر الدين الرازي

84

تفسير الرازي

تعالى لما أمر بالمحاربة ، ثم صارت تلك المحاربة مؤدية إلى ذلك الانهزام ، صح على سبيل المجاز أن يقال حصل ذلك بأمره . الوجه الرابع : وهو المنقول عن ابن عباس : أن المراد من الاذن قضاء الله بذلك وحكمه به وهذا أولى لأن الآية تسلية للمؤمنين مما أصابهم ، والتسلية إنما تحصل إذا قيل إن ذلك وقع بقضاء الله وقدره ، فحينئذ يرضون بما قضى الله . ثم قال : * ( وليعلم المؤمنين * وليعلم الذين نافقوا ) * والمعنى ليميز المؤمنين عن المنافقين وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي : يقال : نافق الرجل فهو منافق إذا أظهر كلمة الايمان وأضمر خلافها ، والنفاق اسم إسلامي اختلف في اشتقاقه على وجوه : الأول : قال أبو عبيدة : هو من نافقاء اليربوع ، وذلك لأن حجر اليربوع له بابان : القاصعاء والنافقاء ، فإذا طلب من أيهما كان خرج من الآخر فقيل للمنافق أنه منافق ، لأنه وضع لنفسه طريقين ، إظهار الاسلام وإضمار الكفر ، فمن أيهما طلبته خرج من الآخر : الثاني : قال ابن الأنباري : المنافق من النفق وهو السرب ، ومعناه أنه يتستر بالاسلام كما يتستر الرجل في السرب . الثالث : أنه مأخوذ من النافقاء ، لكن على غير هذا الوجه الذي ذكره أبو عبيدة ، وهو أن النافقاء جحر يحفره اليربوع في داخل الأرض ، ثم إنه يرقق بما فوق الجحر ، حتى إذا رابه ريب دفع التراب برأسه وخرج ، فقيل للمنافق منافق لأنه يضمر الكفر في باطنه ، فإذا فتشته رمى عنه ذلك الكفر وتمسك بالاسلام . المسألة الثانية : قوله : * ( وليعلم المؤمنين ) * ظاهره يشعر بأنه لأجل أن يحصل له هذا العلم أذن في تلك المصيبة ، وهذا يشعر بتجدد علم الله ، وهذا محال في حق علم الله تعالى ، فالمراد ههنا من العلم المعلوم ، والتقدير : ليتبين المؤمن من المنافق ، وليتميز أحدهما عن الآخر حصل الاذن في تلك المصيبة ، وقد تقدم تقرير هذا المعنى في الآيات المتقدمة والله أعلم . المسألة الثالثة : في الآية حذف ، تقديره : وليعلم إيمان المؤمنين ونفاق المنافقين . فان قيل : لم قال : * ( وليعلم المؤمنين * وليعلم الذين نافقوا ) * ولم يقل : وليعلم المنافقين . قلنا : الاسم يدل على تأكيد ذلك المعنى ، والفعل يدل على تجدده ، وقوله : * ( وليعلم المؤمنين ) * يدل على كونهم مستقرين على إيمانهم متثبتين فيه ، وأما * ( نافقوا ) * فيدل على كونهم إنما شرعوا في الأعمال اللائقة بالنفاق في ذلك الوقت . ثم قال تعالى : * ( وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ) * وفيه مسائل :