فخر الدين الرازي

78

تفسير الرازي

والدناءة ، فإذا شرفه الله تعالى وخصه بمزايا الفضل والاحسان من جميع العالمين ، حصل لكم شرف عظيم بسبب كونه فيكم ، فطعنكم فيه واجتهادكم في نسبة القبائح إليه على خلاف العقل . الوجه الرابع : انه لما كان في الشرف والمنقبة بحيث يمن الله به على عباده وجب على كل عاقل أن يعينه بأقصى ما يقدر عليه ، فوجب عليكم أن تحاربوا أعداءه وأن تكونوا معه باليد واللسان والسيف والسنان ، والمقصود منه العود إلى ترغيب المسلمين في مجاهدة الكفار وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : للمن في كلام العرب معان : أحدها : الذي يسقط من السماء وهو قوله : * ( وأنزلنا عليكم المن والسلوى ) * ( البقرة : 57 ) وثانيها : أن تمن بما أعطيت وهو قوله : * ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) * ( البقرة : 264 ) وثالثها : القطع وهو قوله : * ( لهم أجر غير منون ) * ( فصلت : 8 ) * ( وان لك لأجرا غير ممنون ) * ورابعها : الانعام والاحسان إلى من لا تطلب الجزاء منه ، ومنه قوله : * ( هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك ) * ( ص : 39 ) وقوله : * ( ولا تمنن تستكثر ) * والمنان في صفة الله تعالى : المعطي ابتداء من غير أن يطلب منه عوضا وقوله : * ( لقد من الله على المؤمنين ) * أي أنعم عليهم وأحسن إليهم ببعثه هذا الرسول . المسألة الثانية : أن بعثة الرسول إحسان إلى كل العالمين ، وذلك لأن وجه الاحسان في بعثته كونه داعيا لهم إلى ما يخلصهم من عقاب الله ويوصلهم إلى ثواب الله ، وهذا عام في حق العالمين ، لأنه مبعوث إلى كل العالمين ، كما قال تعالى : * ( وما أرسلناك الا كافة للناس ) * ( سبأ : 28 ) إلا أنه لما لم ينتفع بهذا الانعام الا أهل الاسلام ، فلهذا التأويل خص تعالى هذه المنة بالمؤمنين ، ونظيره قوله تعالى : * ( هدى للمتقين ) * ( البقرة : 2 ) مع أنه هدى للكل ، كما قال : * ( هدى للناس ) * ( البقرة : 185 ) وقوله : * ( إنما أنت منذر من يخشاها ) * ( النازعات : 45 ) . المسألة الثالثة : اعلم أن بعثة الرسول إحسان من الله إلى الخلق ثم إنه لما كان الانتفاع بالرسول أكثر كان وجه الانعام في بعثة الرسل أكثر ، وبعثة محمد صلى الله عليه وسلم كانت مشتملة على الأمرين : أحدهما : المنافع الحاصلة من أصل البعثة ، والثاني : المنافع الحاصلة بسب ما فيه من الخصال التي ما كانت موجودة في غيره . أما المنفعة بسبب أصل البعثة فهي التي ذكرها الله تعالى في قوله : * ( رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) * ( النساء : 165 ) قال أبو عبد الله الحليمي : وجه الانتفاع ببعثة الرسل ليس إلا في طريق الدين وهو من وجوه : الأول : أن الخلق جبلوا على النقصان وقلة الفهم وعدم الدراية ، فهو صلوات الله عليه أورد عليهم وجوه الدلائل ونقحها ، وكلما خطر ببالهم شك أو شبهة أزالها وأجاب عنها . والثاني : ان الخلق وان كانوا يعلمون أنه لا بد لهم من خدمة مولاهم ، ولكنهم ما كانوا عارفين بكيفية تلك الخدمة ، فهو شرح تلك الكيفية لهم حتى يقدموا على الخدمة آمنين من