فخر الدين الرازي

71

تفسير الرازي

كان في ثوبي خرق فأخذت خيطا من هذا المتاع فخطته به ، فهل علي جناح ؟ فقال سلمان : كل شيء بقدره فسل الرجل الخيط من ثوبه ثم ألقاه في المتاع ، وروي أن رجلا جاء النبي صلى الله عليه وسلم بشراك أو شراكين من المغنم ، فقال أصبت هذا يوم خيبر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " شراك أو شراكان من نار " ورمى رجل بسهم في خيبر ، فقال القوم لما مات : هنيئا له الشهادة فقال عليه الصلاة والسلام : " كلا والذي نفس محمد بيده أن الشملة التي أخذها من الغنائم قبل قسمتها لتلتهب عليه نارا " واعلم أنه يستثنى عن هذ النهي حالتان . الحالة الأولى : أخذ الطعام وأخذ علف الدابة بقدر الحاجة ، قال عبد الله بن أبي أوفى : أصبنا طعاما يوم حنين ، فكان الرجل يأتي فيأخذ منه قدر الكفاية ثم ينصرف ، وعن سلمان أنه أصاب يوم المدائن أرغفة وجبنا وسكينا ، فجعل يقطع من الجبن ويقول : كلوا على اسم الله . الحالة الثانية : إذا احتاج إليه ، روي عن البراء بن مالك أنه ضرب رجلا من المشركين يوم اليمامة فوقع على قفاه فأخذ سيفه وقتله به . المسألة الثالثة : أما القراءة بفتح الياء وضم الغين ، بمعنى : ما كان لنبي أن يخون ، فله تأويلان : الأول : أن يكون المراد أن النبوة والخيانة لا يجتمعان ، وذلك لأن الخيانة سبب للعار في الدنيا والنار في الآخرة ، فالنفس الراغبة فيها تكون في نهاية الدناءة ، والنبوة أعلى المناصب الانسانية فلا تليق إلا بالنفس التي تكون في غاية الجلالة والشرف ، والجمع بين الصفتين في النفس الواحدة ممتنع ، فثبت أن النبوة والخيانة لا تجتمعان ، فنظير هذه الآية قوله : * ( ما كان لله أن يتخذ من ولد ) * ( مريم : 35 ) يعني : الإلهية واتخاذ الولد لا يجتمعان ، وقيل : اللام منقولة ، والتقدير : وما كان النبي ليغل ، كقوله : * ( ما كان لله أن يتخذ من ولد ) * أي ما كان الله ليتخذ ولدا . الوجه الثاني : في تأويل هذه الآية على هذه القراءة أن يقال : ان القوم قد التمسوا منه أن يخصهم بحصة زائدة من الغنائم ، ولا شك أنه لو فعل ذلك لكان ذلك غلولا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية مبالغة في النهي له عن ذلك ، ونظيره قوله : * ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) * ( الزمر : 65 ) وقوله : * ( ولو نقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ) * ( الحاقة : 44 ) فقوله : * ( وما كان لنبي أن يغل ) * أي ما كان يحل له ذلك ، وإذا لم يحل له لم يفعله ، ونظيره قوله : * ( ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ) * ( النور : 16 ) أي ما يحل لنا . وإذا عرفت تأويل الآية على هذه القراءة فنقول : حجة هذه القراءة وجوه : أحدها : أن أكثر الروايات في سبب نزول هذه الآية أنهم نسبوا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الغلول ، فبين الله بهذه الآية أن هذه الخصلة لا تليق به . وثانيها : أن ما هو من هذا القبيل في التنزيل أسند الفعل فيه