فخر الدين الرازي
64
تفسير الرازي
لا يكون الانسان سئ الخلق ولا يؤذي أحدا ولكنه لا يرق لهم ولا يرحمهم ، فظهر الفرق من هذا الوجه . المسألة الثانية : ان المقصود من البعثة أن يبلغ الرسول تكاليف الله إلى الخلق ، وهذا المقصود لا يتم إلا إذا مالت قلوبهم إليه وسكنت نفوسهم لديه ، وهذا المقصود لا يتم إلا إذا كان رحيما كريما ، يتجاوز عن ذنبهم ، ويعفو عن إساءتهم ، ويخصهم بوجوه البر والمكرمة والشفقة ، فلهذه الأسباب وجب أن يكون الرسول مبرأ عن سوء الخلق ، وكما يكون كذلك وجب أن يكون غير غليظ القلب ، بل يكون كثير الميل إلى إعانة الضعفاء ، كثير القيام بإعانة الفقراء ، كثير التجاوز عن سيآتهم ، كثير الصفح عن زلاتهم ، فلهذا المعنى قال : * ( ولو كنت فظاً القلب لانفضوا من حولك ) * ولو انفضوا من حولك فات المقصود من البعثة والرسالة . وحمل القفال رحمه الله هذه الآية على واقعة أحد قال : * ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) * يوم أحد حين عادوا إليك بعد الانهزام * ( ولو كنت فظا غليظ القلب ) * وشافهتهم بالملامة على ذلك الانهزام لانفضوا من حولك ، هيبة منك وحياء بسبب ما كان منهم من الانهزام ، فكان ذلك مما لا يطمع العدو فيك وفيهم . المسألة الثالثة : اللين والرفق انما يجوز إذا لم يفض إلى إهمال حق من حقوق الله ، فأما إذا أدى إلى ذلك لم يجز ، قال تعالى : * ( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ) * ( التوبة : 73 ) وقال للمؤمنين في إقامة حد الزنا : * ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ) * ( النور : 2 ) . وههنا دقيقة أخرى : وهي أنه تعالى منعه من الغلظة في هذه الآية ، وأمره بالغلظة في قوله : * ( واغلظ عليهم ) * فههنا نهاه عن الغلظة على المؤمنين ، وهناك أمره بالغلظة مع الكافرين ، فهو كقوله : * ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) * ( المائدة : 54 ) وقوله : * ( أشداء على الكفار رحماء بينهم ) * ( الفتح : 29 ) وتحقيق القول فيه ان طرفي الافراط والتفريط مذمومان ، والفضيلة في الوسط ، فورود الامر بالتغليظ تارة ، وأخرى بالنهي عنه ، إنما كان لأجل أن يتباعد عن الافراط والتفريط ، فيبقى على الوسط الذي هو الصراط المستقيم ، فلهذا السر مدح الله الوسط فقال : * ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ) * ( البقرة : 143 ) . ثم قال تعالى : * ( فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ) * واعلم أنه تعالى أمره في هذه الآية بثلاثة أشياء : أولها : بالعفو عنهم وفيه مسائل . المسألة الأولى : ان كمال حال العبد ليس إلا في أن يتخلق بأخلاق الله تعالى ، قال عليه السلام : " تخلقوا بأخلاق الله " ثم إنه تعالى لما عفا عنهم في الآية المتقدمة أمر الرسول أيضا أن يعفو عنهم ليحصل للرسول عليه السلام فضيلة التخلق بأخلاق الله .