فخر الدين الرازي

49

تفسير الرازي

فان السني يقول : الأمر كله في الطاعة والمعصية والايمان والكفر بيد الله ، فيقول المعتزلي : ليس الأمر كذلك ، فان الانسان مختار مستقل بالفعل ، ان شاء آمن ، وإن شاء كفر ، فعلى هذا الوجه لا يكون هذا الكلام شبهة مستقلة بنفسها ، بل يكون الغرض منه الطعن فيما جعله الله تعالى جوابا عن الشبهة الأولى . والوجه الثاني : أن يكون المراد من قوله : * ( هل لنا من الأمر من شيء ) * هو أنه هل لنا من النصرة التي وعدنا بها محمد شيء ، ويكون المراد من قوله : * ( لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ) * هو ما كان يقوله عبد الله بن أبي من أن محمدا لو أطاعني وما خرج من المدينة ما قتلنا ههنا . واعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة من ثلاثة أوجه : الوجه الأول من الجواب : قوله : * ( قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ) * والمعنى أن الحذر لا يدفع القدر ، والتدبير لا يقاوم التقدير ، فالذين قدر الله عليهم القتل لا بد وأن يقتلوا على جميع التقديرات ، لأن الله تعالى لما أخبر أنه يقتل ، فلو لم يقتل لانقلب علمه جهلا ؛ وقد بينا أيضا أنه ممكن فلا بد من انتهائه إلى إيجاد الله تعالى ، فلو لم يجد لانقلبت قدرته عجزا ، وكل ذلك محال ، ومما يدل على تحقيق الوجوب كما قررنا قوله : * ( الذين كتب عليهم القتل ) * وهذه الكلمة تفيد الوجوب ، فان هذه الكلمة في قوله : * ( كتب عليكم الصيام ) * * ( كتب عليكم القصاص ) * ( البقرة : 178 ) تفيد وجوب الفعل ، وها هنا لا يمكن حملها على وجوب الفعل ، فوجب حملها على وجوب الوجود وهذا كلام في غاية الظهور لمن أيده الله بالتوفيق . ثم نقول للمفسرين : فيه قولان : الأول : لو جلستم في بيوتكم لخرج منكم من كتب الله عليهم القتل إلى مضاجعهم ومصارعهم حتى يوجد ما علم الله أنه يوجد ، والثاني : كأنه قيل للمنافقين لو جلستم في بيوتكم وتخلفتم عن الجهاد لخرج المؤمنون الذين كتب عليهم قتال الكفار إلى مضاجعهم ، ولم يتخلفوا عن هذه الطاعة بسبب تخلفكم . الوجه الثاني في الجواب عن تلك الشبهة : قوله : * ( وليبتلي الله ما في صدوركم ) * وذلك لأن القوم زعموا أن الخروج إلى تلك المقاتلة كان مفسدة ، ولو كان الأمر إليهم لما خرجوا إليها ، فقال تعالى : بل هذه المقاتلة مشتملة على نوعين من المصلحة : أن يتميز الموافق من المنافق ، وفي المثل المشهور : لا تكرهوا الفتن فإنها حصاد المنافقين ، ومعنى الابتلاء في حق الله تعالى قد مر تفسيره مرارا كثيرة لا تكرهوا الفتن فإنها حصاد المنافقين ، ومعنى الابتلاء في حق الله تعالى قد مر تفسيره مرارا كثيرة . فان قيل : لم ذكر الابتلاء وقد سبق ذكره في قوله : * ( ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ) * ( آل عمران : 152 ) . قلنا : لما طال الكلام أعاد ذكره ، وقيل الابتلاء الأول هزيمة المؤمنين ، والثاني سائر الأحوال . والوجه الثالث في الجواب : قوله : * ( وليمحص ما في قلوبكم ) * وفيه وجهان : أحدهما : أن هذه