فخر الدين الرازي
42
تفسير الرازي
الكل فصار هذا الغم بحيث أذهلهم عن الغم الأول . والوجه الرابع : أن الغم الأول ما وصل إليهم بسبب أنفسهم وأموالهم ، والغم الثاني ما وصل إليهم بسبب الارجاف بقتل النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي الآية قول ثالث اختاره القفال رحمه الله تعالى قال : وعندنا أن الله تعالى ما أراد بقوله : * ( غما بغم ) * اثنين ، وإنما أراد مواصلة الغموم وطولها ، أي ان الله عاقبكم بغموم كثيرة ، مثل قتل إخوانكم وأقاربكم ، ونزول المشركين من فوق الجبل عليكم بحيث لم تأمنوا أن يهلك أكثركم ، ومثل إقدامكم على المعصية ، فكأنه تعالى قال : أثابكم هذه الغموم المتعاقبة ليصير ذلك زاجرا لكم عن الاقدام على المعصية والاشتغال بما يخالف أمر الله تعالى . المسألة الثالثة : معنى أن الله أثابهم غم بغم : أنه خلق الغم فيهم ، وأما المعتزلة فهذا لا يليق بأصولهم ، فذكروا في علة هذه الإضافة وجوها : الأول : قال الكعبي : ان المنافقين لما أرجفوا أن محمداً عليه الصلاة والسلام قد قتل ولم يبين الله تعالى كذب ذلك القائل ، صار كأنه تعالى هو الذي فعل ذلك الغم ، وهذا كالرجل الذي يبلغه الخبر الذي يغمه ويكون معه من يعلم أن ذلك الخبر كذب ، فإذا لم يكشفه له سريعا وتركه يتفكر فيه ثم أعلمه فإنه يقول له : لقد غممتني وأطلت حزني وهو لم يفعل شيئاً من ذلك ، بل سكت وكف عن اعلامه ، فكذا ههنا . الثاني : أن الغم وان كان من فعل البعد فسببه فعل الله تعالى ، لأن الله طبع العباد طبعا يغتمون بالمصائب التي تنالهم وهم لا يحمدون على ذلك ولا يذمون . الثالث : أنه لا يبعد أن يخلق الله تعالى الغم في قلب بعض المكلفين لرعاية بعض المصالح . ثم قال تعالى : * ( لكيلا تحزنوا ) * وفيه وجهان : الأول : انها متصلة بقوله : * ( ولقد عفا عنكم ) * ( آل عمران : 152 ) كأنه قال : ولقد عفا عنكم لكيلا تحزنوا ، لان في عفوه تعالى ما يزيل كل غم وحزن ، والثاني : أن اللام متصلة بقوله : * ( فأثابكم ) * ثم على هذا القول ذكروا وجوها : الأول : قال الزجاج : المعنى أثابكم غم الهزيمة من غمكم النبي صلى الله عليه وسلم بسبب مخالفته ، ليكون غمكم بأن خالفتموه فقط ، لا بأن فاتتكم الغنيمة وأصابتكم الهزيمة ، وذلك لان الغم الحاصل بسبب الاقدام على المعصية ينسي الغم الحاصل بسبب مصائب الدنيا . الثاني : قال الحسن : جعلكم مغمومين يوم أحد في مقابلة ما جعلتموهم مغمومين يوم بدر ، لأجل أن يسهل أمر الدنيا في أعينكم فلا تحزنوا بفواتها ولا تفرحوا باقبالها ، وهذان الوجهان مفرعان على قولنا الباء في قوله : * ( غما بغم ) * للمجازاة ، أما إذا قلنا إنها بمعنى " مع " فالمعنى أنكم قلتم لو بقينا في هذا المكان وامتثلنا أمر الرسول لوقعنا في غم فوات الغنيمة ، فاعلموا أنكم