فخر الدين الرازي
40
تفسير الرازي
الأرض ، ويقال أصعدنا من مكة إلى المدينة ، قال أبو معاذ النحوي : كل شيء له أسفل وأعلى مثل الوادي والنهر والأزقة ، فإنك تقول : صعد فلان يصعد في الوادي إذا أخذ من أسفله إلى أعلاه ، وأما ما ارتفع كالسلم فإنه يقال صعدت . المسألة الثالثة : ولا تلوون على أحد : أي لا تلتفتون إلى أحد من شدة الهرب ، وأصله أن المعرج على الشيء يلوي إليه عنقه أو عنان دابته ، فإذا مضى ولم يعرج قيل لم يلوه ، ثم استعمل اللي في ترك التعريج على الشيء وترك الالتفات إلى الشيء ، يقال : فلان لا يلوي على شيء ، أي لا يعطف عليه ولا يبالي به . ثم قال تعالى : * ( والرسول يدعوكم ) * كان يقول : " إلى عباد الله أنا رسول الله من كر فله الجنة " فيحتمل أن يكون المراد أنه عليه الصلاة والسلام كان يدعوهم إلى نفسه حتى يجتمعوا عنده ، ولا يتفرقوا ، ويحتمل أن يكون المراد أنه كان يدعوهم إلى المحاربة مع العدو . ثم قال : * ( في أخراكم ) * أي آخركم ، يقال : جئت في آخر الناس وأخراهم ، كما يقال : في أولهم وأولاهم ، ويقال : جاء فلان في أخريات الناس ، أي آخرهم ، والمعنى أنه عليه الصلاة والسلام كان يدعوهم وهو واقف في آخرهم ، لأن القوم بسبب الهزيمة قد تقدموه . ثم قال : * ( فأثابكم غما بغم ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : لفظ الثواب لا يستعمل في الأغلب الا في الخير ، ويجوز أيضا استعماله في الشر ، لأنه مأخوذ من قولهم : ثاب إليه عقله ، أي رجع إليه ، قال تعالى : * ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس ) * ( البقرة : 125 ) والمرأة تسمى ثيباً لأن الواطئ عائد إليها ، وأصل الثواب كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله سواء كان خيرا أو شرا ، الا أنه بحسب العرف اختص لفظ الثواب بالخير ، فان حملنا لفظ الثواب ههنا على أصل اللغة استقام الكلام ، وان حملناه على مقتضى العرف كان ذلك واردا على سبيل التهكم ، كما يقال : تحيتك الضرب ، وعتابك السيف ، أي جعل الغم مكان ما يرجون من الثواب قال تعالى : * ( فبشرهم بعذاب أليم ) * ( التوبة : 34 ، الانشقاق : 24 ) . المسألة الثانية : الباء في قوله : * ( غما بغم ) * يحتمل أن تكون بمعنى المعارضة ، كما يقال : هذا بهذا أي هذا عوض عن ذاك ، ويحتمل أن تكون بمعنى " مع " والتقدير : أثابهم غما مع غم ، أما على التقدير الأول ففيه وجوه : الأول : وهو قول الزجاج أنكم لما أذقتم الرسول غما بسبب أن عصيتم أمره ، فالله تعالى أذاقكم هذا الغم ، وهو الغم الذي حصل لهم بسبب الانهزام وقتل الأحباب ، والمعنى جازاكم من ذلك الغم بهذا الغم . الثاني : قال الحسن : يريد غم يوم أحد للمسلمين بغم يوم