فخر الدين الرازي

35

تفسير الرازي

واستقبل المدينة وأقام الرماة عند الجبل ، وأمرهم أن يثبتوا هناك ولا يبرحوا ، سواء كانت النصرة للمسلمين أو عليهم ، فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون نبلهم والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا ، والمسلمون على آثارهم يحسونهم ، قال الليث : الحس : القتل الذريع ، تحسونهم : أي تقتلونهم قتلا كثيرا ، قال أبو عبيد ، والزجاج ، وابن قتيبة : الحس : الاستئصال بالقتل ، يقال : جراد محسوس . إذا قتله البرد . وسنة حسوس : إذا أتت على كل شيء ، ومعنى " تحسونهم " أي تستأصلونهم قتلا ، قال أصحاب الاشتقاق : " حسه " إذا قتله لأنه أبطل حسه بالقتل ، كما يقال : بطنه إذا أصاب بطنه ، ورأسه ، إذا أصاب رأسه ، وقوله : * ( باذنه ) * أي بعلمه ، ومعنى الكلام أنه تعالى لما وعدكم النصر بشرط التقوى والصبر على الطاعة فما دمتم وافين بهذا الشرط أنجز وعده ونصركم على أعدائكم ، فلما تركتم الشرط وعصيتم أمر ربكم لا جرم زالت تلك النصرة . أما قوله تعالى : * ( حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعدما أراكم ما تحبون ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : لقائل أن يقول ظاهر قوله : * ( حتى إذا فشلتم ) * بمنزلة الشرط ، ولا بد له من الجواب فأين جوابه ؟ واعلم أن للعلماء ههنا طريقين : الأول : أن هذا ليس بشرط ، بل المعنى ، ولقد صدقكم الله وعده حتى إذا فشلتم ، أي قد نصركم إلى أن كان منكم الفشل والتنازع ، لأنه تعالى كان إنما وعدهم بالنصرة بشرط التقوى والصبر على الطاعة ، فلما فشلوا وعصوا انتهى النصر ، وعلى هذا القول تكون كلمة " حتى " غاية بمعنى " إلى " فيكون معنى قوله : * ( حتى إذا ) * إلى أن ، أو إلى حين . الطريق الثاني : أن يساعد على أن قوله : * ( حتى إذا فشلتم ) * شرط ، وعلى هذا القول اختلفوا في الجواب على وجوه : الأول : وهو قول البصريين أن جوابه محذوف ، والتقدير : حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منعكم الله نصره ، وإنما حسن حذف هذا الجواب لدلالة قوله : * ( ولقد صدقكم الله وعده ) * عليه ، ونظائره في القرآن كثيرة ، قال تعالى : * ( فان استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ) * ( الأنعام : 35 ) والتقدير : فافعل ، ثم أسقط هذا الجواب لدلالة هذا الكلام عليه ، وقال : * ( أمن هو قانت آناء الليل ) * ( الزمر : 9 ) والتقدير : أم من هو قانت كمن لا يكون كذلك ؟ الوجه الثاني : وهو مذهب الكوفيين واختيار الفراء : أن جوابه هو قوله : * ( وعصيتم ) * والواو زائدة كما قال : * ( فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه ) * ( الصافات : 103 - 104 ) والمعنى ناديناه ، كذا ههنا ، الفشل والتنازع صار موجباً للعصيان ، فكان التقدير حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر عصيتم ، فالواو زائدة ، وبعض