فخر الدين الرازي

231

تفسير الرازي

منه الزنا ، وذلك لأن المرأة إذا نسبت إلى الزنا فلا سبيل لأحد عليها إلا بأن يشهد أربعة رجال مسلمون على أنها ارتكبت الزنا ، فإذا شهدوا عليها أمسكت في بيت محبوسة إلى أن تموت أو يجعل الله لهن سبيلا ، وهذا قول جمهور المفسرين . والقول الثاني : وهو اختيار أبي مسلم الأصفهاني : أن المراد بقوله : * ( واللاتي يأتين الفاحشة ) * السحاقات ، وحدهن الحبس إلى الموت وبقوله : * ( واللذان يأتيانها منكم ) * ( النساء : 16 ) أهل اللواط ، وحدهما الأذى بالقول والفعل ، والمراد بالآية المذكورة في سورة النور : الزنا بين الرجل والمرأة ، وحده في البكر الجلد ، وفي المحصن الرجم ، واحتج أبو مسلم عليه بوجوه : الأول : أن قوله : * ( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ) * مخصوص بالنسوان ، وقوله : * ( واللذان يأتيانها منكم ) * مخصوص بالرجال ، لأن قوله : * ( واللذان ) * تثنية الذكور . فان قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله : * ( واللذان ) * الذكر والأنثى إلا أنه غلب لفظ المذكر . قلنا : لو كان كذلك لما أفرد ذكر النساء من قبل ، فلما أفرد ذكرهن ثم ذكر بعد قوله : * ( واللذان يأتيانها منكم ) * سقط هذا الاحتمال . الثاني : هو أن على هذا التقدير لا يحتاج إلى التزام النسخ في شيء من الآيات ، بل يكون حكم كل واحدة منها باقيا مقرراً ، وعلى التقدير الذي ذكرتم يحتاج إلى التزام النسخ ، فكان هذا القول أولى . والثالث : أن على الوجه الذي ذكرتم يكون قوله : * ( واللاتي يأتين الفاحشة ) * في الزنا وقوله : * ( واللذان يأتيانها منكم ) * يكون أيضا في الزنا ، فيفضي إلى تكرار الشيء الواحد في الموضع الواحد مرتين وإنه قبيح ، وعلى الوجه الذي قلناه لا يفضي إلى ذلك فكان أولى . الرابع : أن القائلين بأن هذه الآية نزلت في الزنا فسروا قوله : * ( أو يجعل الله لهن سبيلا ) * بالرجم والجلد والتغريب ، وهذا لا يصح لأن هذه الأشياء تكون عليهن لا لهن . قال تعالى : * ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) * ( البقرة : 286 ) وأما نحن فانا نفسر ذلك بأن يسهل الله لها قضاء الشهوة بطريق النكاح ، ثم قال أبو مسلم : ومما يدل على صحة ما ذكرناه قوله صلى الله عليه وسلم : " إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان " واحتجوا على إبطال كلام أبي مسلم بوجوه : الأول : أن هذا قول لم يقله أحد من المفسرين المتقدمين فكان باطلا ، والثاني : أنه روي في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال : " قد جعل الله لهن سبيلا الثيب ترجم والبكر تجلد " وهذا يدل على أن هذه الآية نازلة في حق الزناة . الثالث : أن الصحابة اختلفوا في أحكام اللواط ، ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية ، فعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على هذا الحكم من أقوى الدلائل على أن هذه الآية ليست في اللواطة .