فخر الدين الرازي
3
تفسير الرازي
وهذا تنصيص على أن الربا من الكبائر لا من الصغائر وتفسير قوله : * ( لعلكم ) * تقدم في سورة البقرة في قوله : * ( اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ) * وتمام الكلام في الربا أيضا مر في سورة البقرة . ثم قال : * ( واتقوا النار التي أعدت للكافرين ) * وفيه سؤالات : الأول : أن النار التي أعدت للكافرين تكون بقدر كفرهم وذلك أزيد مما يستحقه المسلم بفسقه ، فكيف قال : * ( واتقوا النار التي أعدت للكافرين ) * . والجواب : تقدير الآية : اتقوا أن تجحدوا تحريم الربا فتصيروا كافرين . السؤال الثاني : ظاهر قوله : * ( أعدت للكافرين ) * يقتضي أنها ما أعدت إلا للكافرين ، وهذا يقتضي القطع بأن أحدا من المؤمنين لا يدخل النار وهو على خلاف سائر الآيات . والجواب من وجوه : الأول : أنه لا يبعد أن يكون في النار دركات أعد بعضها للكفار وبعضها للفساق فقوله : * ( النار التي أعدت للكافرين ) * إشارة إلى تلك الدركات المخصوصة التي أعدها الله للكافرين ، وهذا لا يمنع ثبوت دركات أخرى في النار أعدها الله لغير الكافرين . الثاني : أن كون النار معدة للكافرين ، لا يمنع دخول المؤمنين ، فيها لأنه لما كان أكثر أهل النار هم الكفار فلأجل الغلبة لا يبعد أن يقال : انها معدة لهم ، كما أن الرجل يقول : لدابة ركبها الحاجة من الحوائج ، إنما أعددت هذه الدابة للقاء المشركين ، فيكون صادقا في ذلك وان كان هو قد ركبها في تلك الساعة لغرض آخر فكذا ههنا . الوجه الثالث : في الجواب : أن القرآن كالسورة الواحدة فهذه الآية دلت على أن النار معدة للكافرين وسائر الآيات دالة أيضا على أنها معدة لمن سرق وقتل وزنى وقذف ، ومثاله قوله تعالى : * ( كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير ) * ( الملك : 8 ) وليس لجميع الكفار يقال ذلك ، وأيضا قال تعالى : * ( فكبكبوا فيها هم والغاوون ) * ( الشعراء : 94 ) إلى قوله : * ( إذ نسويكم برب العالمين ) * ( الشعراء : 98 ) وليس هذا صفة جميعهم ولكن لما كانت هذه الشرائط مذكورة في سائر السور ، كانت كالمذكورة ههنا ، فكذا فيما ذكرناه والله أعلم . الوجه الرابع : ان قوله : * ( أعدت للكافرين ) * اثبات كونها معدة لهم ولا يدل على الحصر كما أن قوله : في الجنة * ( أعدت للمتقين ) * ( آل عمران : 133 ) لا يدل على أنه لا يدخلها سواهم من الصبيان والمجانين والحور العين . الوجه الخامس : أن المقصود من وصف النار بأنها أعدت للكافرين تعظيم الزجر ، وذلك لأن المؤمنين الذين خوطبوا باتقاء المعاصي إذا علموا بأنهم متى فارقوا التقوى أدخلوا النار المعدة للكافرين ، وقد تقرر في عقولهم عظم عقوبة الكفار ، كان انزجارهم عن المعاصي أتم ،