فخر الدين الرازي

195

تفسير الرازي

لأن العمات والخالات والأخوال وأولاد البنات من الأقربين ، فوجب دخولهم تحت قوله : * ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ) * أقصى ما في الباب أن قدر ذلك النصيب غير مذكور في هذه الآية ، إلا أنا نثبت كونهم مستحقين لأصل النصيب بهذه الآية ، وأما المقدار فنستفيده من سائر الدلائل . وأجاب أصحابنا عنه من وجهين : أحدهما : انه تعالى قال في آخر الآية * ( نصيباً مفروضاً ) * أي نصيبا مقدرا ، وبالاجماع ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر ، فثبت أنهم ليسوا داخلين في هذه الآية ، وثانيهما : أن هذه الآية مختصة بالأقربين ، فلم قلتم إن ذوي الأرحام من الأقربين ؟ وتحقيقه أنه إما أن يكون المراد من الأقربين من كان أقرب من شيء آخر ، أو المراد منه من كان أقرب من جميع الأشياء ، والأول باطل ؛ لأنه يقتضي دخول أكثر الخلق فيه ، لأن كل إنسان له نسب مع غيره إما بوجه قريب أو بوجه بعيد ، وهو الانتساب إلى آدم عليه السلام ، ولا بد وأن يكون هو أقرب إليه من ولده ، فيلزم دخول كل الخلق في هذا النص وهو باطل ، ولما بطل هذا الاحتمال وجب حمل النص على الاحتمال الثاني وهو أن يكون المراد من الأقربين من كان أقرب الناس إليه ، وما ذاك إلا الوالدان والأولاد ، فثبت أن هذا النص لا يدخل فيه ذو الأرحام ، لا يقال : لو حملنا الأقربين على الوالدين لزم التكرار ، لأنا نقول : الأقرب جنس يندرج تحته نوعان : الوالد والولد ، فثبت أنه تعالى ذكر الوالد ، ثم ذكر الأقربين ، فيكون المعنى أنه ذكر النوع ، ثم ذكر الجنس فلم يلزم التكرار . المسألة الرابعة : قوله : * ( نصيبا ) * في نصبه وجوه : أحدها : أنه نصب على الاختصاص بمعنى أعني نصيبا مفروضا مقطوعا واجبا ، والثاني : يجوز أن ينتصب انتصاب المصدر ، لأن النصيب اسم في معنى المصدر كأنه قيل : قسما واجبا ، كقوله : * ( فريضة من الله ) * ( التوبة : 60 ، النساء : 11 ) أي قسمة مفروضة . المسألة الخامسة : أصل الفرض الحز ، ولذلك سمي الحز الذي في سية القوس فرضاً ، والحز الذي في القداح يسمى أيضا فرضاً ، وهو علامة لها تميز بينها وبين غيرها ، والفرضة العلامة في مقسم الماء ، يعرف بها كل ذي حق حقه من الشرب ، فهذا هو أصل الفرض في اللغة ، ثم إن أصحاب أبي حنيفة خصصوا لفظ الفرض بما عرف وجوبه بدليل قاطع ، واسم الوجوب بما عرف وجوبه بدليل مظنون ، قالوا : لأن الفرض عبارة عن الحز والقطع ، وأما الوجوب فإنه عبارة عن السقوط ، يقال : وجبت الشمس إذا سقطت ، ووجب الحائط إذا سقط ، وسمعت وجبة يعني سقطة قال الله تعالى : * ( فإذا وجبت جنوبها ) * ( الحج : 36 ) يعني سقطت ، فثبت أن الفرض عبارة عن الحز والقطع ، وأن الوجوب عبارة عن السقوط ، ولا شك أن تأثير الحز والقطع أقوى وأكمل من تأثير السقوط .