فخر الدين الرازي

190

تفسير الرازي

المسألة الخامسة : إذا بلغ رشيدا ثم تغير وصار سفيها حجر عليه عند الشافعي ولا يحجر عليه عند أبي حنيفة وقد مرت هذه المسألة عند قوله تعالى : * ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ) * ( النسار : 5 ) والقياس الجلي أيضا يدل عليه ، لأن هذه الآية دالة على أنه إذا بلغ غير رشيد لم يدفع إليه ماله ، وإنما لم يدفع إليه ماله لئلا يصير المال ضائعا فيكون باقيا مرصداً ليوم حاجته ، وهذا المعنى قائم في السفه الطارئ ، فوجب اعتباره والله أعلم . المسألة السادسة : قال صاحب " الكشاف " : الفائدة في تنكير الرشد التنبيه على أن المعتبر هو الرشد في التصرف والتجارة ، أو على أن المعتبر هو حصول طرف من الرشد وظهور أثر من آثاره حتى لا ينتظر به تمام الرشد . المسألة السابعة : قال صاحب " الكشاف " : قرأ ابن مسعود فان أحستم ، بمعنى أحسستم قال : أحسن به فهن إليه شوس وقرئ رشدا بفتحتين ورشداً بضمتين . ثم قال تعالى : * ( فادفعوا إليهم أموالهم ) * والمراد أن عند حصول الشرطين أعني البلوغ وإيناس الرشد يجب دفع المال إليهم ، وإنما لم يذكر تعالى مع هذين الشرطين كمال العقل ، لأن إيناس الرشد لا يحصل إلا مع العقل لأنه أمر زائد على العقل . ثم قال تعالى : * ( ولا تأكلوها إسرافا وبداراً أن يكبروا ) * أي مسرفين ومبادرين كبرهم أو لاسرافكم ومبادرتكم كبرهم تفرطون في إنفاقها وتقولون : ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينزعوها من أيدينا ، ثم قسم الأمر بين أن يكون الوصي غنيا وبين أن يكون فقيرا فقال : * ( ومن كان غنيا فليستعفف ) * قال الواحدي رحمه الله : استعف عن الشيء وعف إذا امتنع منه وتركه ، وقال صاحب " الكشاف " : استعف أبلغ من عف كأنه طالب زيادة العفة وقال : * ( ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ) * واختلف العلماء في أن الوصي هل له أن ينتفع بمال اليتيم ؟ وفي هذه المسألة أقوال : أحدهما : أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج إليه من مال اليتيم وبقدر أجر عمله ، واحتج القائلون بهذا القول بوجوه : الأول : أن قوله تعالى : * ( ولا تأكلوها إسرافا ) * مشعر بأن له أن يأكل بقدر الحاجة ، وثانيها : أنه قال : * ( ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ) * فقوله : * ( ومن كان غنيا فليستعفف ) * ليس المراد منه نهي الوصي الغني عن الانتفاع بمال نفسه ، بل المراد منه نهيه عن الانتفاع بمال اليتيم ، وإذا كان كذلك لزم أن يكون قوله : * ( ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ) * إذنا للوصي في أن ينتفع بمال اليتيم بمقدار الحاجة ، وثالثها : قوله : * ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى