فخر الدين الرازي
182
تفسير الرازي
ذلكم ) * ( آل عمران : 15 ) بعد ذكر الشهوات . وروي أنه لما قال رؤبة : فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق فقيل له : الضمير في قوله " كأنه " ان عاد إلى الخطوط كان يجب أن تقول : كأنها ، وان عاد إلى السواد والبلق كان يجب أن تقول : كأنهما ، فقال : أردت كأن ذاك ، وفيه وجه آخر وهو أن الصدقات في معنى الصداق لأنك لو قلت : وآتوا النساء صداقهن لكان المقصود حاصلا ، وفيه وجه ثالث : وهو أن الفائدة في تذكير الضمير أن يعود ذلك إلى بعض الصداق ، والغرض منه ترغيبها في أن لا تهب إلا بعض الصداق . المسألة الخامسة : معنى الآية : فان وهبن لكم شيئا من الصداق عن طيبة النفس من غير أن يكون السبب فيه شكاسة أخلاقكم معهن ، أو سوء معاشرتكم معهن ، فكلوه وأنفقوه ، وفي الآية دليل على ضيق المسلك في هذا الباب ، ووجوب الاحتياط ، حيث بنى الشرط على طيب النفس فقال : * ( فان طبن ) * ولم يقل : فان وهبن أو سمحن ، إعلاما بأن المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة . المسألة السادسة : الهنئ والمرئ : صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ ، إذا كان سائغا لا تنغيص فيه ، وقيل : الهنئ ما يستلذه الآكل ، والمرئ ما يحمد عاقبته ، وقيل : ما ينساغ في مجراه ، وقيل : لمدخل الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة : المرئ لمروء الطعام فيه وهو انسياغه . وحكى الواحدي عن بعضهم أن أصل الهنئ من الهناء وهو معالجة الجرب بالقطران ، فالهنئ شفاء من الجرب ، قال المفسرون : المعنى أنهن إذا وهبن مهورهن من أزواجهن عن طيبة النفس لم يكن على الأزواج في ذلك تبعة لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وبالجملة فهو عبارة عن التحليل ، والمبالغة في الإباحة وإزالة التبعة . المسألة السابعة : قوله : * ( هنيئا مريئا ) * وصف للمصدر ، أي أكلا هنيئا مريئا ، أو حال من الضمير أي كلوه وهو هنيء مريء ، وقد يوقف على قوله : * ( فكلوه ) * ثم يبتدأ بقوله : * ( هنيئا مريئا ) * على الدعاء وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين كأنه قيل : هنأ مرأ . المسألة الثامنة : دلت هذه الآية على أمور : منها : ان المهر لها ولا حق للولي فيه ، ومنها جواز هبتها المهر للزوج ، وجواز أن يأخذه الزوج ، لأن قوله : * ( فكلوه هنيئاً مريئا ) * يدل على المعنيين ، ومنها جواز هبتها المهر قبل القبض ، لأن الله تعالى لم يفرق بين الحالتين . وههنا بحث وهو أن قوله : * ( فكلوه هنيئا مريئا ) * يتناول ما إذ كان المهر عينا ، أما إذا كان دينا