فخر الدين الرازي
19
تفسير الرازي
المسألة الأولى : أم : منقطعة ، وتفسير كونها منقطعة تقدم في سورة البقرة . قال أبو مسلم : في * ( أم حسبتم ) * إنه نهي وقع بحرف الاستفهام الذي يأتي للتبكيت ، وتلخيصه : لا تحسبوا أن تدخلوا الجنة ولم يقع منكم الجهاد ، وهو كقوله : * ( ألم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ) * ( العنكبوت : 1 - 2 ) وافتتح الكلام بذكر " أم " التي هي أكثر ما تأتي في كلامهم واقعة بين ضربين يشك في أحدهما لا بعينه ، يقولون : أزيداً ضربت أم عمرواً ، مع تيقن وقوع الضرب بأحدهما ، قال : وعادة العرب يأتون بهذا الجنس من الاستفهام توكيداً ، فلما قال : * ( ولا تهنوا ولا تحزنوا ) * ( آل عمران : 139 ) كأنه قال : أفتعلمون أن ذلك كما تؤمرون به ، أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير مجاهدة وصبر ، وإنما استبعد هذا لأن الله تعالى أوجب الجهاد قبل هذه الواقعة ، وأوجب الصبر على تحمل متاعبها ، وبين وجوه المصالح فيها في الدين وفي الدنيا ، فلما كان كذلك ، فمن البعيد أن يصل الانسان إلى السعادة والجنة مع إهمال هذه الطاعة . المسألة الثانية : قال الزجاج : إذا قيل فعل فلان ، فجوابه أنه لم يفعل ، وإذا قيل قد فعل فلان ، فجوابه لما يفعل . لأنه لما أكد في جانب الثبوت بقد ، لا جرم أكد في جانب النفي بكلمة " لما " . المسألة الثالثة : ظاهر الآية يدل على وقوع النفي على العلم ، والمراد وقوعه على نفي المعلوم ، والتقدير : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يصدر الجهاد عنكم ، وتقريره أن العلم متعلق بالمعلوم ، كما هو عليه ، فلما حصلت هذه المطابقة لا جرم . حسن إقامة كل واحد منهما مقام الآخر ، وتمام الكلام فيه قد تقدم . أما قوله : * ( ويعلم الصابرين ) * فاعلم أنه قرأ الحسن * ( ويعلم الصابرين ) * بالجزم عطفاً على * ( ولما يعلم الله ) * وأما النصب فباضمار أن ، وهذه الواو تسمى واو الصرف ، كقولك : لا تأكل السمك وتشرب اللبن ، أي لا تجمع بينهما ، وكذا ههنا المراد أن دخول الجنة وترك المصابرة على الجهاد مما لا يجتمعان ، وقرأ أبو عمرو * ( ويعلم ) * بالرفع على تقدير أن الواو للحال . كأنه قيل : ولما تجاهدوا وأنتم صابرون . واعلم أن حاصل الكلام أن حب الدنيا لا يجتمع مع سعادة الآخرة ، فبقدر ما يزداد أحدهما ينتقص الآخر ، وذلك لأن سعادة الدنيا لا تحصل إلا باشتغال القلب بطلب الدنيا ، والسعادة في الآخرة لا تحصل إلا بفراغ القلب من كل ما سوى الله وامتلائه من حب الله ، وهذان الأمران مما لا يجتمعان ، فلهذا السر وقع الاستبعاد الشديد في هذه الآية من اجتماعهما ، وأيضاً حب الله وحب الآخرة لا يتم بالدعوى ، فليس كل من أقر بدين الله كان صادقا ، ولكن الفصل فيه تسليط