فخر الدين الرازي

173

تفسير الرازي

المسألة الثالثة : قال الواحدي وصاحب " الكشاف " : قوله * ( ما طاب لكم ) * أي ما حل لكم من النساء لأن منهن من يحرم نكاحها ، وهي الأنواع المذكورة في قوله : * ( حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ) * ( النساء : 23 ) وهذا عندي فيه نظر ، وذلك لأنا بينا أن قوله : * ( فانكحوا ) * أمر إباحة . فلو كان المراد بقوله : * ( ما طاب لكم ) * أي ما حل لكم لنزلت الآية منزلة ما يقال : أبحنا لكم نكاح من يكون نكاحها مباحا لكم : وذلك يخرج الآية عن الفائدة ، وأيضاً فبتقدير أن تحمل الآية على ما ذكروه تصير الآية مجملة ، لأن أسباب الحل والإباحة لما لم تكن مذكورة في هذه الآية صارت الآية مجملة لا محالة ، أما إذا حملنا الطيب على استطابة النفس وميل القلب ، كانت الآية عاما دخله التخصيص . وقد ثبت في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين الاجمال والتخصيص كان رفع الاجمال أولى ، لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص ، والمجمل لا يكون حجة أصلا . المسألة الرابعة : * ( مثنى وثلاث ورباع ) * معناه : اثنين اثنين ، وثلاثا ثلاثا ، وأربعا أربعا ، وهو غير منصرف وفيه وجهان : الأول : أنه اجتمع فيها أمران : العدل والوصف ، أما العدل فلأن العدل عبارة عن أنك تذكر كلمة وتريد بها كلمة أخرى ، كما تقول : عمر وزفر وتريد به عامراً وزافرا ، فكذا ههنا تريد بقولك : مثنى : ثنتين ثنتين فكان معدولا ، وأما أنه وصف ، فدليله قوله تعالى : * ( أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع ) * ( فاطر : 1 ) ولا شك أنه وصف . الوجه الثاني : في بيان أن هذه الأسماء غير منصرفة أن فيها عدلين لأنها معدولة عن أصولها كما بيناه ، وأيضا انها معدولة عن تكررها فإنك لا تريد بقولك : مثنى ثنتين فقط ، بل ثنتين ثنتين ، فإذا قلت : جاءني اثنان أو ثلاثة كان غرضك الاخبار عن مجيء هذا العدد فقط ، أما إذا قلت : جاءني القوم مثنى أفاد أن ترتيب مجيئهم وقع اثنين اثنين ، فثبت أنه حصل في هذه الألفاظ نوعان من العدد فوجب أن يمنع من الصرف ، وذلك لأنه إذا اجتمع في الاسم سببان أوجب ذلك منع الصرف ، لأنه يصير لأجل ذلك نائبا من جهتين فيصير مشابها للفعل فيمتنع صرفه ، وكذا إذا حصل فيه العدل من جهتين فوجب أن يمنع صرفه والله أعلم . المسألة الخامسة : قال أهل التحقيق : * ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) * لا يتناول العبيد وذلك لأن الخطاب إنما يتناول إنسانا متى طابت له امرأة قدر على نكاحها ، والعبد ليس كذلك بدليل أنه لا يتمكن من النكاح إلا بإذن مولاه ، ويدل عليه القرآن والخبر ، أما القرآن فقوله تعالى : * ( ضرب الله مثلا عبداً مملوكا لا يقدر على شيء ) * ( النحل : 75 ) فقوله : * ( لا يقدر على شيء ) * ينفي كونه مستقلا بالنكاح ، وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام : " أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر " فثبت بما ذكرناه أن