فخر الدين الرازي

165

تفسير الرازي

الثاني : أنه أمر بالتقوى في الأول لمكان الانعام بالخلق وغيره ، وفي الثاني أمر بالتقوى لمكان وقوع التساؤل به فيما يلتمس البعض من البعض . الثالث : قال أولا : * ( اتقوا ربكم ) * وقال ثانيا : * ( واتقوا الله ) * والرب لفظ يدل على التربية والاحسان ، والإله لفظ يدل على القهر والهيبة ، فأمرهم بالتقوى بناء على الترغيب ، ثم أعاد الأمر به بناء على الترهيب كما قال : * ( يدعون ربهم خوفا وطمعا ) * ( السجدة : 16 ) وقال : * ( ويدعوننا رغبا ورهبا ) * ( الأنبياء : 90 ) كأنه قيل : انه رباك وأحسن إليك فاتق مخالفته لأنه شديد العقاب عظيم السطوة . المسألة الرابعة : اعلم أن التساؤل بالله وبالأرحام قيل هو مثل أن يقال : بالله أسألك ، وبالله أشفع إليك ، وبالله أحلف عليك ، إلى غير ذلك مما يؤكد المرء به مراده بمسألة الغير ، ويستعطف ذلك الغير في التماس حقه منه أو نواله ومعونته ونصرته ، وأما قراءة حمزة فهي ظاهرة من حيث المعنى ، والتقدير : واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ، لأن العادة جرت في العرب بأن أحدهم قد يستعطف غيره بالرحم فيقول : أسألك بالله والرحم ، وربما أفرد ذلك فقال : أسألك بالرحم ، وكان يكتب المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : نناشدك الله والرحم أن لا تبعث إلينا فلانا وفلانا ، وأما القراءة بالنصب فالمعنى يرجع إلى ذلك ، والتقدير : واتقوا الله واتقوا الأرحام ، قال القاضي : وهذا أحد ما يدل على أنه قد يراد باللفظ الواحد المعاني المختلفة ، لأن معنى تقوى الله مخالف لمعنى تقوى الأرحام ، فتقوى الله إنما يكون بالتزام طاعته واجتناب معاصيه ، واتقاء الأرحام بأن توصل ولا تقطع فيما يتصل بالبر والافضال والاحسان ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى لعله تكلم بهذه اللفظة مرتين ، وعلى هذا التقدير يزول الاشكال . المسألة الخامسة : قال بعضهم : اسم الرحم مشتق من الرحمة التي هي النعمة ، واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " يقول الله تعالى أنا الرحمن وهي الرحم اشتققت اسمها من اسمي " ووجه التشبيه ان لمكان هذه الحالة تقع الرحمة من بعض الناس لبعض . وقال آخرون : بل اسم الرحم مشتق من الرحم الذي عنده يقع الانعام وانه الأصل ، وقال بعضهم : بل كل واحد منهما أصل بنفسه ، والنزاع في مثل هذا قريب . المسألة السادسة : دلت الآية على جواز المسألة بالله تعالى . روى مجاهد عن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سألكم بالله فأعطوه " وعن البراء بن عازب قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع : منها أبرار القسم . المسألة السابعة : دل قوله تعالى : * ( والأرحام ) * على تعظيم حق الرحم وتأكيد النهي عن قطعها ، قال