فخر الدين الرازي

17

تفسير الرازي

المسألة الرابعة : العلم قد يكون بحيث يكتفي فيه بمفعول واحد ، كما يقال : علمت زيداً ، أي علمت ذاته وعرفته ، وقد يفتقر إلى مفعولين ، كما يقال : علمت زيداً كريما ، والمراد منه في هذه الآية هذا القسم الثاني ، إلا أن المفعول الثاني محذوف والتقدير : وليعلم الله الذين آمنوا متميزين بالايمان من غيرهم ، أي الحكمة في هذه المداولة أن يصير الذين آمنوا متميزين عمن يدعي الايمان بسبب صبرهم وثباتهم على الاسلام ، ويحتمل أن يكون العلم ههنا من القسم الأول ، بمعنى معرفة الذات ، والمعنى وليعلم الله الذين آمنوا لما يظهر من صبرهم على جهاد عدوهم ، أي ليعرفهم بأعيانهم إلا أن سبب حدوث هذا العلم ، وهو ظهور الصبر حذف ههنا . أما قوله : * ( ويتخذ منكم شهداء ) * فالمراد منه ذكر الحكمة الثانية في تلك المداولة ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : في هذه الآية قولان : الأول : يتخذ منكم شهداء على الناس بما صدر منهم من الذنوب والمعاصي ، فان كونهم شهداء على الناس منصب عال ودرجة عالية . والثاني : المراد منه وليكرم قوماً بالشهادة ، وذلك لأن قوما من المسلمين فاتهم يوم بدر ، وكانوا يتمنون لقاء العدو وأن يكون لهم يوم كيوم بدر يقاتلون فيه العدو ويلتمسون فيه الشهادة ، وأيضا القرآن مملوء من تعظيم حال الشهداء قال تعالى : * ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) * ( آل عمران : 169 ) وقال : * ( وجئ بالنبيين والشهداء ) * ( الزمر : 69 ) وقال : * ( فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ) * ( النساء : 69 ) فكانت هذه المنزلة هي المنزلة الثالثة للنبوة ، وإذا كان كذلك فكان من جملة الفوائد المطلوبة من تلك المداولة حصول هذا المنصب العظيم لبعض المؤمنين . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن جميع الحوادث بإرادة الله تعالى فقالوا : منصب الشهادة على ما ذكرتم ، فإن كان يمكن تحصيلها بدون تسليط الكفار على المؤمنين لم يبق لحسن التعليل وجه ، وإن كان لا يمكن فحينئذ يكون قتل الكفار للمؤمنين من لوازم تلك الشهادة ، فإذا كان تحصيل تلك الشهادة للعبد مطلوباً لله تعالى وجب أن يكون ذلك القتل مطلوباً لله تعالى ، وأيضاً فقوله : * ( ويتخذ منكم شهداء ) * تنصيص على أن ما به حصلت تلك الشهادة هو من الله تعالى ، وذلك يدل على أن فعل العبد خلق الله تعالى . المسألة الثالثة : الشهداء جمع شهيد كالكرماء والظرفاء ، والمقتول من المسلمين بسيف الكفار شهيداً ، وفي تعليل هذا الاسم وجوه : الأول : قال النضر بن شميل : الشهداء أحياء لقوله : * ( بل أحياء عند ربهم يرزقون ) * ( آل عمران : 169 ) فأرواحهم حية وقد حضرت دار السلام ، وأرواح غيرهم لا تشهدها ، الثاني : قال ابن الأنباري : لأن الله تعالى وملائكته شهدوا له بالجنة ، فالشهيد فعيل بمعنى مفعول ، الثالث : سموا شهداء لأنهم يشهدون يوم القيامة مع الأنبياء والصديقين ، كما قال تعالى : * ( لتكونوا شهداء