فخر الدين الرازي

158

تفسير الرازي

مكة ، وأما الأصوليون من المفسرين فقد اتفقوا على أن الخطاب عام لجميع المكلفين ، وهذا هو الأصح لوجوه : أحدها : أن لفظ الناس جمع دخله الألف واللام فيفيد الاستغراق . وثانيها : أنه تعالى علل الأمر بالاتقاء بكونه تعالى خالقاً لهم من نفس واحدة ، وهذه العلة عامة في حق جميع المكلفين بأنهم من آدم عليه السلام خلقوا بأسرهم ، وإذا كانت العلة عامة كان الحكم عاما . وثالثها : أن التكليف بالتقوى غير مختص بأهل مكة ، بل هو عام في حق جميع العالمين ، وإذا كان لفظ الناس عاما في الكل ، وكان الأمر بالتقوى عاما في الكل ، وكانت علة هذا التكليف ، وهي كونهم خلقوا من النفس الواحدة عامة في حق الكل ، كان القول بالتخصيص في غاية البعد . وحجة ابن عباس أن قوله : * ( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ) * مختص بالعرب لأن المناشدة بالله وبالرحم عادة مختصة بهم . فيقولون أسألك بالله وبالرحم ، وأنشدك الله والرحم ، وإذا كان كذلك كان قوله : * ( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ) * مختصا بالعرب ، فكان أول الآية وهو قوله : * ( يا أيها الناس ) * مختصا بهم لأن قوله في أول الآية : * ( اتقوا ربكم ) * وقوله بعد ذلك : * ( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ) * وردا متوجهين إلى مخاطب واحد ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه ثبت في أصول الفقه أن خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها ، فكان قوله : * ( يا أيها الناس ) * عاما في الكل ، وقوله : * ( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ) * . خاصاً بالعرب . المسألة الثانية : أنه تعالى جعل هذا المطلع مطلعا لسورتين في القرآن : إحداهما : هذه السورة وهي السورة الرابعة من النصف الأول من القرآن . والثانية : سورة الحج ، وهي أيضا السورة الرابعة من النصف الثاني من القرآن ، ثم إنه تعالى علل الأمر بالتقوى في هذه السورة بما يدل على معرفة المبدأ ، وهو أنه تعالى خلق الخلق من نفس واحدة ، وهذا يدل على كمال قدرة الخالق وكمال علمه وكمال حكمته وجلاله ، وعلل الأمر بالتقوى في سورة الحج بما يدل على كمال معرفة المعاد ، وهو قوله : * ( إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) * ( الحج : 1 ) فجعل صدر هاتين السورتين دلالة على معرفة المبدأ ومعرفة المعاد ، ثم قدم السورة الدالة على المبدأ على السورة الدالة على المعاد ، وتحت هذا البحث أسرار كثيرة . المسألة الثالثة : اعلم أنه تعالى أمرنا بالتقوى وذكر عقبيه أنه تعالى خلقنا من نفس واحدة ، وهذا مشعر بأن الأمر بالتقوى معلل بأنه تعالى خلقنا من نفس واحدة ، ولا بد من بيان المناسبة بين هذا الحكم وبين ذلك الوصف ، فنقول : قولنا إنه تعالى خلقنا من نفس واحدة ، مشتمل على قيدين : أحدهما : أنه تعالى خلقنا ، والثاني : كيفية ذلك التخليق ، وهو أنه تعالي إنما خلقنا من نفس