فخر الدين الرازي
155
تفسير الرازي
واعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه السورة أنواعا كثيرة من علوم الأصول والفروع ، أما الأصول ففيما يتعلق بتقرير التوحيد والعدل والنبوة والمعاد ، وأما الفروع ففيما يتعلق بالتكاليف والأحكام نحو الحج والجهاد وغيرهما ، ختم هذه السورة بهذه الآية المشتملة على جميع الآداب ، وذلك لأن أحوال الانسان قسمان : منها ما يتعلق به وحده ، ومنها ما يكون مشتركا بينه وبين غيره ، أما القسم الأول فلا بد فيه من الصبر ، وأما القسم الثاني فلا بد فيه من المصابرة . أما الصبر فيندرج تحته أنواع : أولها : أن يصبر على مشقة النظر والاستدلال في معرفة التوحيد والعدل والنبوة والمعاد ، وعلى مشقة استنباط الجواب عن شبهات المخالفين . وثانيها : أن يصبر على مشقة أداء الواجبات والمندوبات . وثالثها : أن يصبر على مشقة الاحتراز عن المنهيات . ورابعها : الصبر على شدائد الدنيا وآفاتها من المرض والفقر والقحط والخوف ، فقوله : * ( اصبروا ) * يدخل تحته هذه الأقسام ، وتحت كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة أنواع لا نهاية لها ، وأما المصابرة فهي عبارة عن تحمل المكاره الواقعة بينه وبين الغير ، ويدخل فيه تحمل الأخلاق الردية من أهل البيت والجيران والأقارب ، ويدخل فيه ترك الانتقام ممن أساء إليك كما قال : * ( وأعرض عن الجاهلين ) * ( الأعراف : 199 ) وقال : * ( وإذا مروا باللغو مروا كراما ) * ( الفرقان : 72 ) ويدخل فيه الايثار على الغير كما قال : * ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) * ( الحشر : 9 ) ويدخل فيه العفو عمن ظلمك كما قال : * ( وأن تعفوا أقرب للتقوى ) * ( البقرة : 237 ) ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فان المقدم عليه ربما وصل إليه بسببه ضرر ، ويدخل فيه الجهاد فإنه تعريض النفس للهلاك ، ويدخل فيه المصابرة مع المبطلين ، وحل شكوكهم والجواب عن شبههم ، والاحتيال في إزالة تلك الأباطيل عن قلوبهم ، فثبت ان قوله * ( اصبروا ) * تناول كل ما تعلق به وحده * ( وصابروا ) * تناول كل ما كان مشتركا بينه وبين غيره . واعلم أن الانسان وان تكلف الصبر والمصابرة إلا أن فيه أخلاقا ذميمة تحمل على أضدادها وهي الشهوة والغضب والحرص ، والانسان ما لم يكن مشتغلا طول عمره بمجاهدتها وقهرها لا يمكنه الاتيان بالصبر والمصابرة ، فلهذا قال : * ( ورابطوا ) * ولما كانت هذه المجاهدة فعلا من الأفعال ولا بد للانسان في كل فعل يفعله من داعية وغرض ، وجب أن يكون للانسان في هذه المجاهدة غرض وباعث ، وذلك هو تقوى الله لنيل الفلاح والنجاح ، فلهذا قال : * ( واتقوا الله لعلكم تفلحون ) * وتمام التحقيق فيه أن الأفعال مصدرها هو القوى ، فهو تعالى أمر بالصبر والمصابرة ، وذلك عبارة عن الاتيان بالافعال الحسنة ، والاحتراز عن الافعال الذميمة ، ولما كانت الافعال صادرة عن القوى أمر بعد ذلك بمجاهدة القوى التي هي مصادر الافعال الذميمة ، وذلك هو المراد بالمرابطة ، ثم