فخر الدين الرازي
153
تفسير الرازي
بالآفات والحسرات ، ثم أنه بالعاقبة ينقطع وينقضي ، وكيف لا يكون قليلا وقد كان معدوما من الأزل إلى الآن ، وسيصير معدوما من الأزل إلى الأبد ، فإذا قابلت زمان الوجود بما مضى وما يأتي وهو الأزل والأبد ، كان أقل من أن يجوز وصفه بأنه قليل . ثم قال تعالى : * ( ثم مأواهم جهنم ) * يعني أنه مع قلته يسبب الوقوع في نار جهنم أبد الآباد والنعمة القليلة إذا كانت سببا للمضرة العظيمة لم يعد ذلك نعمة ، وهو كقوله : * ( إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ) * ( آل عمران : 178 ) وقوله : * ( وأملي لهم ان كيدي متين ) * ( الأعراف : 183 ) . ثم قال : * ( وبئس المهاد ) * أي الفراش ، والدليل على أنه بئس المهاد قوله تعالى : * ( لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ) * ( الزمر : 16 ) فهم بين أطباق النيران ، ومن فوقهم غواش يأكلون النار ويشربون النار . * ( لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الاَْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ ) * . اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد أتبعه بالوعد بالنزل ، والنزل ما يهيأ للضيف وقوله : * ( لكن الذين اتقوا ربهم ) * يتناول جميع الطاعات ، لأنه يدخل في التقوى الاحتراز عن المنهيات ، وعن ترك المأمورات . واحتج بعض أصحابنا بهذه الآية على الرؤية لأنه لما كانت الجنة بكليتها نزلا ، فلا بد من الرؤية لتكون خلعة ، ونظيره قوله تعالى : * ( ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا ) * ( الكهف : 107 ) وقوله : * ( نزلا ) * نصب على الحال من * ( جنات ) * لتخصيصها بالوصف ، والعامل اللام ، ويجوز أن يكون بمعنى مصدر مؤكد ، لأن خلودهم فيها إنزالهم فيها أو نزولهم ، وقال الفراء : هو نصب على التفسير كما تقول : هو لك هبة وبيعا وصدقة ثم قال : * ( وما عند الله ) * من الكثير الدائم * ( خير للأبرار ) * مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل ، وقرأ مسلمة بن محارب والأعمش * ( نزلا ) * بسكون الزاي ، وقرأ يزيد بن القعقاع * ( لكن الذين اتقوا ) * بالتشديد .