فخر الدين الرازي

142

تفسير الرازي

لا يخزى لقوله تعالى : * ( يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ) * فوجب من مجموع هاتين الآيتين أن لا يكون صاحب الكبيرة مؤمنا . والجواب : أن قوله * ( يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ) * ( التحريم : 8 ) لا يقتضي نفي الاخزاء مطلقا ، وإنما يقتضي أن لا يحصل الاخزاء حال ما يكون مع النبي ، وهذا النفي لا يناقضه إثبات الاخزاء في الجملة لاحتمال أن يحصل ذلك الاثبات في وقت آخر ، هذا هو الذي صح عندي في الجواب ، وذكر الواحدي في البسيط أجوبة ثلاثة سوى ما ذكرناه : أحدها : أنه نقل عن سعيد بن المسيب والثوري وقتادة أن قوله : * ( إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) * مخصوص بمن يدخل النار للخلود ، وهذا الجواب عندي ضعيف ، لأن مذهب المعتزلة أن كل فاسق دخل النار فإنما دخلها للخلود ، فهذا لا يكون سؤالا عنهم . ثانيها : قال : المدخل في النار مخزي في حال دخوله وإن كانت عاقبته أن يخرج منها ، وهذا ضعيف أيضا لأن موضع الاستدلال أن قوله : * ( يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ) * ( التحريم : 8 ) يدل على نفي الخزي عن المؤمنين على الاطلاق ، وهذه الآية دلت على حصول الخزي لكل من دخل النار ، فحصل بحكم هاتين الآيتين بين كونه مؤمنا وبين كونه كافرا ممن يدخل النار منافاة ، وثالثها : قال : الاخزاء يحتمل وجهين : أحدهما : الإهانة والاهلاك ، والثاني : التخجيل ، يقال : خزي خزاية إذا استحيا ، وأخزاه غيره إذا عمل به عملا يخجله ويستحيى منه . واعلم أن حاصل هذا الجواب : أن لفظ الاخزاء لفظ مشترك بين التخجيل وبين الاهلاك ، واللفظ المشترك لا يمكن حمله في طرفي النفي والاثبات على معنييه جميعا ، وإذا كان كذلك جاز أن يكون المنفى بقوله : * ( يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ) * غير المثبت في قوله : * ( إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) * وعلى هذا يسقط الاستدلال ، إلا أن هذا الجواب إنما يتمشى إذا كان لفظ الاخزاء مشتركا بين هذين المفهومين ، أما إذا كان لفظا متواطئا مفيدا لمعنى واحد ، وكان المعنيان اللذان ذكرهما الواحدي نوعين تحت جنس واحد ، سقط هذا الجواب لأن قوله : * ( لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ) * لنفي الجنس وقوله : * ( فقد أخزيته ) * لاثبات النوع ، وحينئذ يحصل بينهما منافاة . المسألة الرابعة : احتجت المرجئة بهذه الآية في القطع على أن صاحب الكبيرة لا يخزي . وكل من دخل النار فإنه يخزي ، فيلزم القطع بأن صاحب الكبيرة لا يدخل النار ، إنما قلنا صاحب الكبيرة لا يخزى . لأن صاحب الكبيرة مؤمن ، والمؤمن لا يخزى . إنما قلنا إنه مؤمن لقوله تعالى : * ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) * ( الحجرات : 9 ) سمي الباغي حال كونه باغياً مؤمناً ، والبغي من الكبائر بالاجماع ، وأيضا