فخر الدين الرازي

136

تفسير الرازي

والأرض ) * إشارة إلى عبودية القلب والفكر والروح ، والانسان ليس إلى هذا المجموع ، فإذا كان اللسان مستغرقا في الذكر ، والأركان في الشكر ، والجنان في الفكر ، كان هذا العبد مستغرقا بجميع أجزائه في العبودية ، فالآية الأولى دالة على كمال الربوبية ، وهذه الآية دالة على كمال العبودية ، فما أحسن هذا الترتيب في جذب الأرواح من الخلق إلى الحق ، وفي نقل الأسرار من جانب عالم الغرور إلى جناب الملك الغفور ، ونقول في الآية مسائل : المسألة الأولى : للمفسرين في هذه الآية قولان : الأول : أن يكون المراد منه كون الانسان دائم الذكر لربه ، فان الأحوال ليست إلا هذه الثلاثة ، ثم لما وصفهم بكونهم ذاكرين فيها كان ذلك دليلا على كونهم مواظبين على الذكر غير فاترين عنه البتة . والقول الثاني : أن المراد من الذكر الصلاة ، والمعنى أنهم يصلون في حال القيام ، فان عجزوا ففي حال القعود ، فان عجزوا ففي حال الاضطجاع ، والمعنى أنهم لا يتركون الصلاة في شيء من الأحوال ، والحمل على الأول أولى لأن الآيات الكثيرة ناطقة بفضيلة الذكر ، وقال عليه الصلاة والسلام : " من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله " . المسألة الثانية : يحتمل أن يكون المراد بهذا الذكر هو الذكر باللسان ، وأن يكون المراد منه الذكر بالقلب ، والأكمل أن يكون المراد الجمع بين الأمرين . المسألة الثالثة : قال الشافعي رضي الله عنه : إذا صلى المريض مضطجعاً وجب أن يصلي على جنبه ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : بل يصلى مستلقياً حتى إذا وجد خفة قعد ، وحجة الشافعي رضي الله عنه ظاهر هذه الآية ، وهو أنه تعالى مدح من ذكره على حال الاضطجاع على الجنب ، فكان هذا الوضع أولى . واعلم أن فيه دقيقة طبية وهو أنه ثبت في المباحث الطبية أن كون الانسان مستلقياً على قفاه يمنع من استكمال الفكر والتدبر ، وأما كونه مضطجعاً على الجنب فإنه غير مانع منه ، وهذا المقام يراد فيه التدبر والتفكر ، ولأن الاضطجاع على الجنب يمنع من النوم المغرق ، فكان هذا الوضع أولى ، لكونه أقرب إلى اليقظة ، وإلى الاشتغال بالذكر . المسألة الرابعة : محل * ( على جنوبهم ) * نصب على الحال عطفاً على ما قبله ، كأنه قيل : قياماً وقعوداً ومضطجعين . واعلم أنه تعالى لما وصفهم بالذكر وثبت أن الذكر لا يكمل إلا مع الفكر ، لا جرم قال بعده : * ( ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ) * وفيه مسائل :