فخر الدين الرازي
133
تفسير الرازي
الله عليه وسلم ، وبالاقرار بنبوته ودينه ، ثم أنهم فرحوا بكتمانهم لذلك وإعراضهم عن نصوص الله تعالى ، ثم زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه ، وقالوا : لن تمسنا النار إلا أياما معدودة . واعلم أن الأولى أن يحمل على الكل ، لأن جميع هذه الأمور مشتركة في قدر واحد ، وهو أن الانسان يأتي بالفعل الذي لا ينبغي ويفرح به ، ثم يتوقع من الناس أن يصفوه بسداد السيرة واستقامة الطريقة والزهد والاقبال على طاعة الله . المسألة الثالثة : في قوله : * ( بما أتوا ) * بحثان : الأول : قال الفراء : قوله : * ( بما أتوا ) * يريد فعلوه كقوله : * ( واللذان يأتيانها منكم ) * ( النساء : 16 ) وقوله : * ( لقد جئت شيئا فريا ) * ( مريم : 27 ) أي فعلت . قال صاحب " الكشاف " : أتى وجاء ، يستعملان بمعنى فعل ، قال تعالى : * ( إنه كان وعده مأتياً ) * ( مريم : 61 ) * ( لقد جئت شيئاً فريا ) * ويدل عليه قراءة أبي * ( يفرحون بما فعلوا ) * . البحث الثاني : قرىء آتوا بمعنى أعطوا ، وعن علي رضي الله عنه * ( بما أوتوا ) * . المسألة الرابعة : قوله : * ( بمفازة من العذاب ) * أي بمنجاة منه ، من قولهم : فاز فلان إذا نجا ، وقال الفراء : أي ببعد من العذاب ، لأن الفوز معناه التباعد من المكروه ، وذكر ذلك في قوله : * ( فقد فاز ) * ثم حقق ذلك بقوله : * ( ولهم عذاب أليم ) * ولا شبهة أن الآية ، واردة في الكفار والمنافقين الذين أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر على أذاهم . ثم قال : * ( ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير ) * أي لهم عذاب أليم ممن له ملك السماوات والأرض ، فكيف يرجو النجاة من كان معذبه هذا القادر الغالب . * ( إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لاََيَاتٍ لاُِوْلِى الاَْلْبَابِ ) * . اعلم أن المقصود من هذا الكتاب الكريم جذب القلوب والأرواح عن الاشتغال بالخلق إلى الاستغراق في معرفة الحق ، فلما طال الكلام في تقرير الاحكام والجواب عن شبهات المبطلين عاد إلى إنارة القلوب بذكر ما يدل على التوحيد والإلهية والكبرياء والجلال ، فذكر هذه الآية . قال ابن عمر : قلت لعائشة : أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبكت وأطالت ثم قالت : كل أمره عجب ، أتاني في ليلتي فدخل في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي ،