فخر الدين الرازي
128
تفسير الرازي
وأما قوله : * ( ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا ) * فالمراد منه أنواع الايذاء الحاصلة من اليهود والنصارى والمشركين للمسلمين ، وذلك لأنهم كانوا يقولون عزير ابن الله ، والمسيح ابن الله ، وثالث ثلاثة ، وكانوا يطعنون في الرسول عليه الصلاة والسلام بكل ما يقدرون عليه ، ولقد هجاه كعب بن الأشرف ، وكانوا يحرضون الناس على مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم . وأما المشركون فهم كانوا يحرضون الناس على مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم ويجمعون العساكر على محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم ويثبطون المسلمين عن نصرته ، فيجب أن يكون الكلام محمولا على الكل إذ ليس حمله على البعض أولى من حمله على الثاني . ثم قال عطفا على الأمرين : * ( وإن تصبروا وتتقوا فان ذلك من عزم الأمور ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال المفسرون : بعث الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر إلى فنحاص اليهودي يستمده ، فقال فنحاص قد احتاج ربك إلى أن نمده ، فهم أبو بكر رضي الله عنه أن يضربه بالسيف ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين بعثه : لا تغلبن على شيء حتى ترجع إلي ، فتذكر أبو بكر رضي الله عنه ذلك وكف عن الضرب ونزلت هذه الآية . المسألة الثانية : للآية تأويلان : الأول : أن المراد منه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالمصابرة على الابتلاء في النفس والمال ، والمصابرة على تحمل الأذى وترك المعارضة والمقابلة ، وإنما أوجب الله تعالى ذلك لأنه أقرب إلى دخول المخالف في الدين ، كما قال : * ( فقولا له قولا ليناً لعله يتذكر أو يخشى ) * ( طه : 44 ) وقال : * ( قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ) * ( الجاثية : 14 ) والمراد بهذا الغفران الصبر . وترك الانتقام وقال تعالى : * ( وإذا مروا باللغو مروا كراما ) * ( الفرقان : 72 ) وقال : * ( فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ) * ( الأحقاف : 35 ) وقال : * ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) * ( فصلت : 34 ) قال الواحدي رحمه الله : كان هذا قبل نزول آية السيف . قال القفال رحمه الله : الذي عندي أن هذا ليس بمنسوخ والظاهر أنها نزلت عقيب قصة أحد ، والمعنى أنهم أمروا بالصبر على ما يؤذون به الرسول صلى الله عليه وسلم على طريق الأقوال الجارية فيما بينهم ، واستعمال مداراتهم في كثير من الأحوال . والأمر بالقتال لا ينافي الأمر بالمصابرة على هذا الوجه ، واعلم أن قول الواحدي ضعيف ، والقول ما قاله القفال . الوجه الثاني في التأويل : أن يكون المراد من الصبر والتقوى : الصبر على مجاهدة الكفار ومنابذتهم والانكار عليهم ، فأمروا بالصبر على مشاق الجهاد ، والجري على نهج أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الانكار على اليهود والاتقاء عن المداهنة مع الكفار ، والسكوت عن إظهار الانكار . المسألة الثالثة : الصبر عبارة عن احتمال المكروه ، والتقوى عبارة عن الاحتراز عما لا ينبغي