فخر الدين الرازي

125

تفسير الرازي

الاستثناء ، وهذا العموم يقتضي موت الكل ، وأيضا يقتضي وقوع الموت لأهل الجنة ولأهل النار لأن كلهم نفوس . وجوابه : أن المراد بالآية المكلفون الحاضرون في دار التكليف بدليل أنه تعالى قال بعد هذه الآية : * ( فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ) * فان هذا المعنى لا يتأتى إلا فيهم ، وأيضا العام بعد التخصيص يبقى حجة . المسألة الثانية : * ( ذائقة ) * فاعلة من الذوق ، واسم الفاعل إذا أضيف إلى اسم وأريد به الماضي لم يجز فيه إلا الجر ، كقولك : زيد ضارب عمرو أمس ، فان أردت به الحال والاستقبال جاز الجر والنصب تقول : هو ضارب زيد غدا ، وضارب زيدا غدا ، قال تعالى : * ( هل هن كاشفات ضره ) * ( الزمر : 38 ) قرىء بالوجهين لأنه للاستقبال . وروي عن الحسن أنه قرأ * ( ذائقة الموت ) * بالتنوين ونصب " الموت " وهذا هو الأصل وقرأ الأعمش * ( ذائقة الموت ) * بطرح التنوين مع النصب كقوله : ولا ذاكر الله إلا قليلا وتمام الكلام في هذه المسألة يأتي في سورة النساء عند قوله : * ( ظالمي أنفسهم ) * ( النساء : 97 ، النحل : 28 ) إن شاء الله تعالى . المسألة الثالثة : زعمت الفلاسفة ان الموت واجب الحصول عند هذه الحياة الجسمانية ، وذلك لأن هذه الحياة الجسمانية لا تحصل إلا بالرطوبة الغريزية والحرارة الغريزية ، ثم إن الحرارة الغريزية تؤثر في تحليل الرطوبة الغريزية ، ولا تزال تستمر هذه الحالة إلى أن تفنى الرطوبة الأصلية فتنطفئ الحرارة الغريزية ويحصل الموت ، فبهذا الطريق كان الموت ضروريا في هذه الحياة . قالوا وقوله : * ( كل نفس ذائقة الموت ) * يدل على أن النفوس لا تموت بموت البدن ، لأنه جعل النفس ذائقة الموت ، والذائق لا بد وأن يكون باقيا حال حصول الذوق ، والمعنى أن كل نفس ذائقة موت البدن ، وهذا يدل على أن النفس غير البدن ، وعلى أن النفس لا تموت بموت البدن ، وأيضا : لفظ النفس مختص بالأجسام ، وفيه تنبيه على أن ضرورة الموت مختصة بالحياة الجسمانية ، فأما الأرواح المجردة فلا ، وقد جاء في الروايات ما هو خلاف ذلك ، فإنه روي عن ابن عباس أنه قال : لما نزل قوله تعالى : * ( كل من عليها فان ) * ( الرحمن : 26 ) قالت الملائكة مات أهل الأرض ، ولما نزل قوله تعالى : * ( كل نفس ذائقة الموت ) * قالت الملائكة متنا . المسألة الرابعة : قوله تعالى : * ( كل نفس ذائقة الموت ) * يدل على أن المقتول يسمى بالميت وإنما لا يسمى المذكى بالميت بسبب التخصيص بالعرف .