فخر الدين الرازي
115
تفسير الرازي
القول الثاني : في تفسير قوله : * ( سيطوقون ) * قال مجاهد : سيكلفون أن يأتوا بما بخلوا به يوم القيامة ونظيره ما روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ * ( وعلى الذين يطوقونه فدية ) * ( البقرة : 184 ) قال المفسرون : يكلفونه ولا يطيقونه ، فكذا قوله : * ( سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) * ( آل عمران : 180 ) أي يؤمرون بأداء ما منعوا حين لا يمكنهم الاتيان به ، فيكون ذلك توبيخا على معنى : هلا فعلتم ذلك حين كان ممكنا . والقول الثالث : أن قوله : * ( سيطوقون ما بخلوا به ) * أي سيلزمون إثمه في الآخرة ، وهذا على طريق التمثيل لا على أن ثم أطواقا ، يقال منه : فلان كالطوق في رقبة فلان ، والعرب يعبرون عن تأكيد الزام الشيء بتصييره في العنق ، ومنه يقال : قلدتك هذا الأمر ، وجعلت هذا الأمر في عنقك قال تعالى : * ( وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ) * ( الإسراء : 13 ) . القول الرابع : إذا فسرنا هذا البخل بالبخل بالعلم كان معنى * ( سيطوقون ) * أن الله تعالى يجعل في رقابهم طوقا من نار ، قال عليه الصلاة والسلام : " من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله بلجام من النار يوم القيامة " والمعنى أنهم عوقبوا في أفواههم وألسنتهم بهذا اللجام لأنهم لم ينطقوا بأفواههم وألسنتهم بما يدل على الحق . واعلم أن تفسير هذا البخل بكتمان دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم غير بعيد ، وذلك لأن اليهود والنصارى موصوفون بالبخل في القرآن مذمومون به . قال تعالى في صفتهم : * ( أم لهم نصيب من الملك فإذاً لا يؤتون الناس نقيراً ) * ( النساء : 53 ) وقال أيضا فيهم : * ( الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ) * ( النساء : 37 ) وأيضا ذكر عقيب هذه الآية قوله : * ( لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ) * ( آل عمران : 181 ) وذلك من أقوال اليهود ، ولا يبعد أيضاً أن تكون الآية عامة في البخل بالعلم ، وفي البخل بالمال ، ويكون الوعيد حاصلا عليهما معا . المسألة الثانية : قالت المعتزلة : هذه الآية دالة على القطع بوعيد الفساق ، وذلك لأن من يلزمه هذه الحقوق ولا تسقط عنه هو المصدق بالرسول وبالشريعة ، أما قوله : * ( بل هو شر لهم ) * فلأنه يؤدي إلى حرمان الثواب وحصول النار ، وأما قوله : * ( سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) * فهو صريح بالوعيد . واعلم أن الكلام في هذه المسألة تقدم في سورة البقرة . ثم قال تعالى : * ( ولله ميراث السماوات والأرض ) * وفيه وجهان : الأول : وله ما فيها مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره . فما لهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله ، ونظيره قوله تعالى : * ( وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ) * ( الحديد : 7 ) والثاني : وهو قول الأكثرين : المراد أنه يفنى أهل