فخر الدين الرازي
113
تفسير الرازي
إذا نهى السفيه جرى إليه أي السفه وأنشد الفراء هم الملوك وأبناء الملوك هم والآخذون به والسادة الأول فقوله به : يريد بالملك ولكنه اكتفى عنه بذكر الملوك . المسألة الثانية : هو في قوله : * ( هو خيرا لهم ) * تسميه البصريون فصلا ، والكوفيون عماداً ، وذلك لأنه لما ذكر " يبخلون " فهو بمنزلة ما إذا ذكر البخل ، فكأنه قيل : ولا يحسبن الذين يبخلون البخل خيرا لهم ، وتحقيق القول فيه أن للمبتدأ حقيقة ، وللخبر حقيقة ، وكون حقيقة المبتدأ موصوفا بحقيقة الخبر أمر زائد على حقيقة المبتدأ وحقيقة الخبر ، فإذا كانت هذه الموصوفية أمرا زائدا على الذاتين فلا بد من صيغة ثالثة دالة على هذه الموصوفية وهي كلمة " هو " . المسألة الثالثة : اعلم أن الآية دالة على ذم البخل بشيء من الخيرات والمنافع ، وذلك الخير يحتمل أن يكون مالا ، وأن يكون علما . فالقول الأول : ان هذا الوعيد ورد على البخل بالمال ، والمعنى : لا يتوهمن هؤلاء البخلاء أن بخلهم هو خير لهم ، بل هو شر لهم ، وذلك لأنه يبقى عقاب بخلهم عليهم ، وهو المراد من قوله : * ( سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) * مع أنه لا تبقى تلك الأموال عليهم وهذا هو المراد بقوله : * ( ولله ميراث السماوات والأرض ) * . والقول الثاني : أن المراد من هذا البخل : البخل بالعلم ، وذلك لأن اليهود كانوا يكتمون نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته ، فكان ذلك الكتمان بخلا ، يقال فلان يبخل بعلمه ، ولا شك أن العلم فضل من الله تعالى قال الله تعالى : * ( وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما ) * ( النساء : 113 ) ثم أنه تعالى علم اليهود والنصارى ما في التوراة والأنجيل ، فإذا كتموا ما في هذين الكتابين من البشارة بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم كان ذلك بخلا . واعلم أن القول الأول أولى ، ويدل عليه وجهان : الأول : أنه تعالى قال : * ( سيطوقون ما بخلوا به ) * ولو فسرنا الآية بالعلم احتجنا إلى تحمل المجاز في تفسير هذه الآية ، ولو فسرناها بالمال لم نحتج إلى المجاز فكان هذا أولى . الثاني : أنا لو حملنا هذه الآية على المال كان ذلك ترغيبا في بذل المال في الجهاد فحينئذ يحصل لهذه الآية مع ما قبلها نظم حسن ، ولو حملناها على أن اليهود كتموا ما عرفوه من التوراة انقطع النظم ، إلا على سبيل التكلف ، فكان الأول أولى . المسألة الرابعة : أكثر العلماء على أن البخل عبارة عن منع الواجب ، وان منع التطوع