فخر الدين الرازي

111

تفسير الرازي

في اللفظ فكان أولى ، وحكى أبو زيد عن أبي عمرو أنه كان يقول : التشديد للكثرة ، فاما واحد من واحد فيميز بالتخفيف ، والله تعالى قال : * ( حتى يميز الخبيث من الطيب ) * فذكر شيئين ، وهذا كما قال بعضهم في الفرق والتفريق ، وأيضا قال تعالى : * ( وامتازوا اليوم ) * ( يس : 59 ) وهو مطاوع الميز ، وحجة من قرأ بالتشديد : أن التشديد للتكثير والمبالغة ، وفي المؤمنين والمنافقين كثرة ، فلفظ التمييز ههنا أولى ، ولفظ الطيب والخبيث وان كان مفردا إلا أنه للجنس ، فالمراد بهما جميع المؤمنين والمنافقين لا اثنان منهما . المسألة الثانية : قد ذكرنا أن معنى الآية : ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من اختلاط المؤمن بالمنافق وأشباهه حتى يميز الخبيث من الطيب ، أي المنافق من المؤمن . واختلفوا بأي شيء ميز بينهم وذكروا وجوها : أحدها : بالقاء المحن والمصائب والقتل والهزيمة ، فمن كان مؤمنا ثبت على إيمانه وعلى تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن كان منافقا ظهر نفاقه وكفره . وثانيها : أن الله وعد بنصرة المؤمنين وإذلال الكافرين ، فلما قوي الاسلام عظمت دولته وذل الكفر وأهله ، وعند ذلك حصل هذا الامتياز . وثالثها : القرائن الدالة على ذلك ، مثل ان المسلمين كانوا يفرحون بنصرة الاسلام وقوته ، والمنافقين كانوا يغتمون بسبب ذلك . المسألة الثالثة : ههنا سأل ، وهو أن هذا التمييز إن ظهر وانكشف فقد ظهر كفر المنافقين ، وظهور الكفر منهم ينفي كونهم منافقين ، وان لم يظهر لم يحصل موعود الله . وجوابه : أنه ظهر بحيث يفيد الامتياز الظني ، لا الامتياز القطعي . ثم قال تعالى : * ( وما كان الله ليطلعكم على الغيب ) * معناه أنه سبحانه حكم بأن يظهر هذا التمييز ، ثم بين بهذه الآية أنه لا يجوز أن يحصل ذلك التمييز بأن يطلعكم الله على غيبه فيقول : إن فلانا منافق وفلانا مؤمن ، وفلانا من أهل الجنة وفلانا من أهل النار ، فان سنة الله جارية بأنه لا يطلع عوام الناس على غيبه ، بل لا سبيل لكم إلى معرفة ذلك الامتياز إلا بالامتحانات مثل ما ذكرنا من وقوع المحن والآفات ، حتى يتميز عندها الموافق من المنافق ، فأما معرفة ذلك على سبيل الاطلاع من الغيب فهو من خواص الأنبياء ، فلهذا قال : * ( ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ) * أي ولكن الله يصطفى من رسله من يشاء فخصهم باعلامهم أن هذا مؤمن وهذا منافق . ويحتمل ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فيمتحن خلقه بالشرائع على أيديهم حتى يتميز الفريقان بالامتحان ، ويحتمل أيضا أن يكون المعنى : وما كان الله ليجعلكم كلكم عالمين بالغيب من حيث يعلم الرسول حتى تصيروا مستغنين عن الرسول ، بل الله يخص من يشاء من عباده بالرسالة ، ثم يكلف الباقين طاعة هؤلاء الرسل . ثم قال : * ( فآمنوا بالله ورسله ) * والمقصود أن المنافقين طعنوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بوقوع