فخر الدين الرازي

109

تفسير الرازي

لا لنفي كونه خيرا من شيء آخر . وأما السؤال الثاني : وهو تمسكهم بقوله : * ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) * وبقوله تعالى : * ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ) * ( النساء : 64 ) . فجوابه : أن الآية التي تمسكنا بها خاص ، والآية التي ذكرتموها عام ، والخاص مقدم على العام . وأما السؤال الثالث : وهو حمل اللام على لام العاقبة فهو عدول عن الظاهر ، وأيضاً فان البرهان العقلي يبطله ؛ لأنه تعالى لما علم أنهم لا بد وأن يصيروا موصوفين بازدياد الغي والطغيان ، كان ذلك واجب الحصول لأن حصول معلوم الله واجب ، وعدم حصوله محال ، وإرادة المحال محال ، فيمتنع أن يريد منهم الايمان ، ويجب أن يريد منهم ازدياد الغي والطغيان ، وحينئذ ثبت أن المقصود هو التعليل وأنه لا يجوز المصير إلى لام العاقبة . وأما السؤال الرابع : وهو التقديم والتأخير . فالجواب عنه من ثلاثة أوجه : أحدها : أن التقديم والتأخير ترك للظاهر . وثانيها : قال الواحدي رحمه الله : هذا إنما يحسن لو جازت قراءة * ( أنما نملي لهم خير لأنفسهم ) * بكسر " إنما " وقراءة * ( إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ) * بالفتح . ولم توجد هذه القراءة البتة . وثالثها : أنا بينا بالبرهان القاطع العقلي أنه يجب أن يكون مراد الله من هذا الاملاء حصول الطغيان لا حصول الايمان ، فالقول بالتقديم والتأخير ترك للظاهر والتزام لما هو على خلاف البرهان القاطع . وأما السؤال الخامس : وهو قوله : هذه اللام لا يمكن حملها على التعليل . فجوابه أن عندنا يمتنع تعليل أفعال الله لغرض يصدر من العباد ، فأما أن يفعل تعالى فعلا ليحصل منه شيء آخر فهذا غير ممتنع ، وأيضاً قوله : * ( إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ) * تنصيص على أنه ليس المقصود من هذا الاملاء إيصال الخير لهم والاحسان إليهم ، والقوم لا يقولون بذلك ، فتصير الآية حجة عليهم من هذا الوجه . وأما السؤال السادس : وهو المعارضة بفعل الله تعالى . فالجواب : أن تأثير قدرة الله في إيجاد المحدثات متقدم على تعلق علمه بعدمه ، فلم يمكن أن يكون العلم مانعاً عن القدرة . أما في حق العبد فتأثير قدرته في إيجاد الفعل متأخر عن تعلق علم الله بعدمه ، فصلح أن يكون هذا العلم مانعاً للعبد عن الفعل ، فهذا تمام المناظرة في هذه الآية . المسألة السادسة : اتفق أصحابنا أنه ليس لله تعالى في حق الكافر شيء من النعم الدينية ، وهل له في حقه شيء من النعم الدنيوية ، اختلف فيه قول أصحابنا ، فالذين قالوا ليس له في حقه شيء من