فخر الدين الرازي
102
تفسير الرازي
على الخروج على العدو من وقت إصابة القرح لمسه ، والقول الآخر أيضا محتمل . والقرح على هذا القول يجب أن يفسر بالهزيمة ، فكأنه قيل : إن الذين انهزموا ثم أحسنوا الأعمال بالتوبة واتقوا الله في سائر أمورهم ، ثم استجابوا لله وللرسول عازمين على الثواب موطنين أنفسهم على لقاء العدو ، بحيث لما بلغهم كثرة جموعهم لم يفتروا ولم يفشلوا ، وتوكلوا على الله ورضوا به كافياً ومعيناً فلهم أجر عظيم لا يحجبهم عنه ما كان منهم من الهزيمة إذ كانوا قد تابوا عنها والله أعلم . * ( إِنَّمَا ذلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ) * . اعلم أن قوله : * ( الشيطان ) * خبر * ( ذلكم ) * بمعنى : انما ذلكم المثبط هو الشيطان * ( ويخوف أولياءه ) * جملة مستأنفة بيان لتثبيطه ، أو * ( الشيطان ) * صفة لاسم الإشارة و * ( يخوف ) * الخبر ، والمراد بالشيطان الركب ، وقيل : نعيم بن مسعود ، وسمي شيطاناً لعتوه وتمرده في الكفر ، كقوله : * ( شياطين الإنس والجن ) * ( الأنعام : 112 ) وقيل : هو الشيطان يخوف بالوسوسة . أما قوله تعالى : * ( يخوف أولياءه ) * ففيه سؤال : وهو أن الذين سماهم الله بالشيطان إنما خوفوا المؤمنين ، فما معنى قوله : * ( الشيطان يخوف أولياءه ) * والمفسرون ذكروا فيه ثلاثة أوجه : الأول : تقدير الكلام : ذلكم الشيطان يخوفكم بأوليائه ، فحذف المفعول الثاني وحذف الجار ، ومثال حذف المفعول الثاني قوله تعالى : * ( فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ) * ( القصص : 7 ) أي فإذا خفت عليه فرعون ، ومثال حذف الجار قوله تعالى : * ( لينذر بأساً شديداً ) * ( الكهف : 2 ) معناه : لينذركم ببأس وقوله : * ( لينذر يوم التلاق ) * ( غافر : 15 ) أي لينذركم بيوم التلاق ، وهذا قول الفراء ، والزجاج ، وأبي علي . قالوا : ويدل عليه قراءة أبي بن كعب * ( يخوفكم بأوليائه ) * . القول الثاني : أن هذا على قول القائل : خوفت زيدا عمرا ، وتقدير الآية : يخوفكم أولياءه ، فحذف المفعول الأول ، كما تقول : أعطيت الأموال ، أي أعطيت القوم الأموال ، قال ابن الأنباري : وهذا أولى من ادعاء جار لا دليل عليه وقوله : * ( لينذر بأسا ) * أي لينذركم بأساً وقوله : * ( لينذر يوم التلاق ) * أي لينذركم يوم التلاق والتخويف يتعدى إلى مفعولين من غير حرف جر تقول : خاف زيد القتال ، وخوفته القتال وهذا الوجه يدل عليه قراءة ابن مسعود * ( يخوفكم أولياءه ) * .