فخر الدين الرازي
85
تفسير الرازي
المسألة الثانية : روي أنه عليه السلام لما أورد الدلائل على نصارى نجران ، ثم إنهم أصروا على جهلهم ، فقال عليه السلام : " إن الله أمرني إن لم تقبلوا الحجة أن أباهلكم " فقالوا : يا أبا القاسم ، بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك فلما رجعوا قالوا للعاقب : وكان ذا رأيهم ، يا عبد المسيح ما ترى ، فقال : والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمداً نبي مرسل ، ولقد جاءكم بالكلام الحق في أمر صاحبكم ، والله ما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لكان الاستئصال فإن أبيتم إلا الإصرار على دينكم والإقامة على ما أنتم عليه ، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وعليه مرط من شعر أسود ، وكان قد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن ، وفاطمة تمشي خلفه ، وعلي رضي الله عنه خلفها ، وهو يقول ، إذا دعوت فأمنوا ، فقال أسقف نجران : يا معشر النصارى ، إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها ، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة ، ثم قالوا : يا أبا القاسم ، رأينا أن لا نباهلك وأن نقرك على دينك فقال صلوات الله عليه : فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا ، يكن لكم ما للمسلمين ، وعليكم ما على المسلمين ، فأبوا ، فقال : فإني أناجزكم القتال ، فقالوا ما لنا بحرب العرب طاقة ، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تردنا عن ديننا ، على أن نؤدي إليك في كل عام ألفي حلة : ألفا في صفر ، وألفا في رجب ، وثلاثين درعاً عادية من حديد ، فصالحهم على ذلك ، وقال : والذي نفسي بيده ، إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران ، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً ، ولاستأصل الله نجران وأهله ، حتى الطير على رؤوس الشجر ، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا ، وروي أنه عليه السلام لما خرج في المرط الأسود ، فجاء الحسن رضي الله عنه فأدخله ، ثم جاء الحسين رضي الله عنه فأدخله ثم فاطمة ، ثم علي رضي الله عنهما ثم قال : * ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) * ( الأحزاب : 33 ) واعلم أن هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث . المسألة الثالثة : * ( فمن حاجك فيه ) * أي في عيسى عليه السلام ، وقيل : الهاء تعود إلى الحق ، في قوله * ( الحق من ربك ) * ( هود : 17 ) * ( من بعد ما جاءك من العلم ) * ( البقرة : 145 ) بأن عيسى عبد الله ورسوله عليه السلام وليس المراد ههنا بالعلم نفس العلم لأن العلم الذي في قلبه لا يؤثر في ذلك ، بل المراد بالعلم ما ذكره بالدلائل العقلية ، والدلائل الواصلة إليه بالوحي والتنزيل ، فقل تعالوا : أصله تعاليوا ، لأنه تفاعلوا من العلو ، فاستثقلت الضمة على الياء ، فسكنت ، ثم حذفت لاجتماع الساكنين ، وأصله العلو والارتفاع ، فمعنى تعالى ارتفع ، إلا أنه كثر في الاستعمال حتى صار لكل مجيء ، وصار بمنزلة هلم .