فخر الدين الرازي

81

تفسير الرازي

أحياه كما قال : * ( ثم أنشأناه خلقاً آخر ) * فإن قيل الضمير في قوله خلقه راجع إلى آدم وحين كان تراباً لم يكن آدم عليه السلام موجوداً . أجاب القاضي وقال : بل كان موجوداً وإنما وجد بعد حياته ، وليست الحياة نفس آدم وهذا ضعيف لأن آدم عليه السلام ليس عبارة عن مجرد الأجسام المشكلة بالشكل المخصوص ، بل هو عبارة عن هوية أخرى مخصوصة وهي : إما المزاج المعتدل ، أو النفس ، وينجر الكلام من هذا البحث إلى أن النفس ما هي ، ولا شك أنها من أغمض المسائل . الجواب : الصحيح أن يقال لما كان ذلك الهيكل بحيث سيصير آدم عن قريب سماه آدم عليه السلام قبل ذلك ، تسمية لما سيقع بالواقع . والجواب الثالث : أن قوله * ( ثم قال له كن فيكون ) * يفيد تراخي هذا الخبر عن ذلك الخبر كما في قوله تعالى : * ( ثم كان من الذين آمنوا ) * ( البلد : 17 ) ويقول القائل : أعطيت زيداً اليوم ألفاً ثم أعطيته أمس ألفين ، ومراده : أعطيته اليوم ألفاً ، ثم أنا أخبركم أني أعطيته أمس ألفين فكذا قوله * ( خلقه من تراب ) * أي صيره خلقاً سوياً ثم إنه يخبركم أني إنما خلقته بأن قلت له * ( كن ) * . المسألة الخامسة : في الآية إشكال آخر وهو أنه كان ينبغي أن يقال : ثم قال له كن فكان فلم يقل كذلك بل قال : * ( كن فيكون ) * . والجواب : تأويل الكلام ، ثم قال له * ( كن فيكون ) * فكان . واعلم يا محمد أن ما قال له ربك * ( كن ) * فإنه يكون لا محالة . قوله تعالى * ( الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن الْمُمْتَرِينَ ) * . فيه مسائل : المسألة الأولى : قال الفرّاء ، والزجاج قوله * ( الحق ) * خبر مبتدأ محذوف ، والمعنى : الذي أنبأتك من قصة عيسى عليه السلام ، أو ذلك النبأ في أمر عيسى عليه السلام * ( الحق ) * فحذف لكونه معلوماً ، وقال أبو عبيدة هو استئناف بعد انقضاء الكلام ، وخبره قوله * ( من ربك ) * وهذا كما تقول الحق من الله ، والباطل من الشيطان ، وقال آخرون : الحق ، رفع بإضمار فعل أي جاءك الحق . وقيل : أيضاً إنه مرفوع بالصفة وفيه تقديم وتأخير ، تقديره : من ربك الحق فلا تكن . المسألة الثانية : الامتراء الشك ، قال ابن الأنباري : هو مأخوذ من قول العرب مريت الناقة والشاة إذا حلبتها فكأن الشاك يجتذب بشكه مراء كاللبن الذي يجتذب عند الحلب ، يقال قد ماري