فخر الدين الرازي
77
تفسير الرازي
المسألة الثانية : لقائل أن يقول وصف العذاب بالشدة ، يقتضي أن يكون عقاب الكافر في الدنيا أشد ، ولسنا نجد الأمر كذلك ، فإن الأمر تارة يكون على الكفار وأخرى على المسلمين ، ولا نجد بين الناس تفاوتاً . قلنا : بل التفاوت موجود في الدنيا ، لأن الآية في بيان أمر اليهود الذين كذبوا بعيسى عليه السلام ، ونري الذلة والمسكنة لازمة لهم ، فزال الإشكال . المسألة الثالثة : وصف تعالى هذا العذاب بأنه ليس لهم من ينصرهم ويدفع ذلك العذاب عنهم . فإن قيل : أليس قد يمتنع على الأئمة والمؤمنين قتل الكفار بسبب العهد وعقد الذمة . قلنا : المانع هو العهد ، ولذلك إذا زال العهد حل قتله . ثم قال تعالى * ( وَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) * . فيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حفص عن عاصم * ( فيوفيهم ) * بالياء ، يعني فيوفيهم الله ، والباقون بالنون حملاً على ما تقدم من قوله * ( فأحكم ، فأعذبهم ) * وهو الأولى لأنه نسق الكلام . المسألة الثانية : ذكر الذين آمنوا ، ثم وصفهم بأنهم عملوا الصالحات ، وذلك يدل على أن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان ، وقد تقدم ذكر هذه الدلالة مراراً . المسألة الثالثة : احتج من قال بأن العمل علة للجزاء بقوله * ( فنوفيهم أجورهم ) * فشبههم في عبادتهم لأجل طلب الثواب بالمستأجر ، والكلام فيه أيضاً قد تقدم والله أعلم . المسألة الرابعة : المعتزلة احتجوا بقوله * ( والله لا يحب الظالمين ) * على أنه تعالى لا يريد الكفر والمعاصي ، قالوا : لأن مريد الشيء لا بد وأن يكون محباً له ، إذا كان ذلك الشيء من الأفعال وإنما تخالف المحبة الإرادة إذا علقتا بالأشخاص ، فقد يقال : أحب زيداً ، ولا يقال : أريده ، وأما إذا علقتا بالأفعال : فمعناهما واحد إذا استعملتا على حقيقة اللغة ، فصار قوله * ( والله لا يحب الظالمين ) * بمنزلة قوله ( لا يريد ظلم الظالمين ) هكذا قرره القاضي ، وعند أصحابنا أن المحبة عبارة عن إرادة إيصال الخير إليه فهو تعالى وإن أراد كفر الكافر إلا أنه لا يريد إيصال الثواب إليه ، وهذه