فخر الدين الرازي
71
تفسير الرازي
بالاستهزاء والثاني : أن معاملة الله معهم كانت شبيهة بالمكر فسمي بذلك الثالث : أن هذا اللفظ ليس من المتشابهات ، لأنه عبارة عن التدبير المحكم الكامل ثم اختص في العرف بالتدبير في إيصال الشر إلى الغير ، وذلك في حق الله تعالى غير ممتنع والله أعلم . قوله تعالى * ( إِذْ قَالَ اللَّهُ ياعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) * . في الآية مسائل : المسألة الأولى : العامل في * ( إذ ) * قوله * ( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ) * أي وجد هذا المكر إذ قال الله هذا القول ، وقيل التقدير : ذاك إذ قال الله . المسألة الثانية : اعترفوا بأن الله تعالى شرف عيسى في هذه الآية بصفات : الصفة الأولى : * ( إني متوفيك ) * ونظيره قوله تعالى حكاية عنه * ( فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ) * ( المائدة : 117 ) واختلف أهل التأويل في هاتين الآيتين على طريقين أحدهما : إجراء الآية على ظاهرها من غير تقديم ، ولا تأخير فيها والثاني : فرض التقديم والتأخير فيها ، أما الطريق الأول فبيانه من وجوه الأول : معنى قوله * ( إني متوفيك ) * أي متمم عمرك ، فحينئذ أتوفاك ، فلا أتركهم حتى يقتلوك ، بل أنا رافعك إلى سمائي ، ومقربك بملائكتي ، وأصونك عن أن يتمكنوا من قتلك وهذا تأويل حسن والثاني : * ( متوفيك ) * أي مميتك ، وهو مروي عن ابن عباس ، ومحمد بن إسحاق قالوا : والمقصود أن لا يصل أعداؤه من اليهود إلى قتله ثم إنه بعد ذلك أكرمه بأن رفعه إلى السماء ثم اختلفوا على ثلاثة أوجه أحدها : قال وهب : توفي ثلاثة ساعات ، ثم رفع وثانيها : قال محمد بن إسحاق : توفي سبع ساعات ، ثم أحياه الله ورفعه الثالث : قال الربيع بن أنس : أنه تعالى توفاه حين رفعه إلى السماء ، قال تعالى : * ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ) * ( الزمر : 42 ) . الوجه الرابع : في تأويل الآية أن الواو في قوله * ( متوفيك ورافعك إليّ ) * تفيد الترتيب